الأزمة المالية تربك خطط العراق لتحديث قدراته الدفاعية
تلقى العراق إشعاراً رسمياً من كوريا الجنوبية يفيد بإمكانية بيع منظومة الدفاع الجوي التي تم توقيع عقدها سابقا بقيمة تبلغ مليارين و700 مليون دولار، إلى دولة أخرى في حال عدم تسديد الدفعات المالية المتبقية، ما يسلط الضوء على حجم الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها وعجزه عن الوفاء بالتزاماته.
وتواجه الحكومة العراقية معضلة مزدوجة تتمثل في الحاجة الملحة إلى تحديث منظوماتها العسكرية، ولا سيما الدفاعات الجوية، في مقابل القيود المالية والاقتصادية التي تحد من قدرتها على تنفيذ برامج التسليح الكبرى والوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
وقال رئيس كتلة “منتصرون” النيابية فالح الخزعلي الاثنين، إن وزارة الدفاع كانت قد وقعت في وقت سابق عقداً مع كوريا الجنوبية لتجهيز العراق بمنظومة دفاع جوي، بقيمة تبلغ مليارين و700 مليون دولار، موضحا أن الحكومة العراقية سددت دفعة أولى بقيمة 500 مليون دولار، على أن يتم تسديد المبلغ المتبقي خلال عام 2025، إلا أن قلة التمويل وعدم توفر التخصيصات المالية أديا إلى تأخير استكمال الدفعات”.
وحذر الخزعلي في تصريحات لوكالة “شفق نيوز” الكردية، من احتمال خسارة العراق عقد منظومة الدفاع الجوي الكورية الجنوبية.
ومنذ عام 2003، عانى العراق من تراجع كبير في قدراته الدفاعية، خاصة في مجال الدفاع الجوي، حيث لم تنجح الحكومات المتعاقبة في بناء شبكة متكاملة قادرة على حماية الأجواء العراقية من التهديدات المتزايدة.
صفقات التسليح الكبرى خصوصاً في مجال الدفاع الجوي تتطلب التزامات مالية طويلة الأمد
وبرزت الحاجة إلى تعزيز الدفاعات الجوية بشكل أكبر خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ في المنطقة، وتحول الأجواء العراقية إلى ساحة عبور أو مسرح لعمليات عسكرية مرتبطة بالصراعات الإقليمية.
ويرى خبراء عسكريون أن امتلاك منظومات دفاع جوي حديثة لم يعد خياراً استراتيجياً للعراق، بل ضرورة أمنية تفرضها التطورات الإقليمية، خاصة مع تنامي استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة في النزاعات الحديثة.
وكان مصدر حكومي عراقي كشف في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 عن التعاقد مع كوريا الجنوبية لشراء نظام دفاع جوي، لافتاً إلى أن الصفقة تضم شراء 8 بطاريات بقيمة 2.63 مليار دولار.
وأشار حينها إلى أنه “إذا نجح العراق في تسديد قيمة المنظومة الدفاعية التي ستصل إلى البلاد، فإن كوريا الجنوبية ستسلم باقي البطاريات الدفاعية تباعا وخلافه قد تفشل الصفقة”. وذلك في خطوة تنسجم مع توجّه العراق نحو تنويع مصادر التسليح وتطوير قدراته العسكرية لـ”حفظ السلام والسيادة” وأيضاً لضمان مواصلة محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي لا تزال خلاياه تشكل خطراً على أمن البلاد، رغم مرور أعوام على إعلان القضاء عليه.
وتواجه بغداد تحدياً إضافياً يتمثل في موقعها الجغرافي وسط واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، إذ يتأثر الأمن العراقي بشكل مباشر بالتوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والصراعات الدائرة في سوريا، والتطورات الأمنية في منطقة الخليج.
وأظهرت المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة أهمية امتلاك أنظمة إنذار مبكر ودفاع جوي متعددة الطبقات، قادرة على التعامل مع مختلف أنواع التهديدات الجوية، من الصواريخ الباليستية إلى الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.
في المقابل، تواجه الحكومة العراقية تحديات مالية كبيرة تعيق تنفيذ برامج التحديث العسكري، رغم أن العراق يعد من كبار منتجي النفط في العالم. ويعزى ذلك إلى الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وارتفاع الإنفاق الحكومي، وتزايد الأعباء المالية المتعلقة بالرواتب والدعم والخدمات العامة.
وتعاني بغداد أيضاً من صعوبة الموازنة بين الإنفاق على الاحتياجات المدنية والاقتصادية من جهة، ومتطلبات تحديث المؤسسة العسكرية من جهة أخرى، خاصة في ظل تقلبات أسعار النفط والضغوط المالية المتزايدة.
ويؤكد مختصون أن صفقات التسليح الكبرى، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي، تتطلب التزامات مالية طويلة الأمد، وهو ما يضع الحكومات العراقية أمام تحدي توفير التمويل المستدام بعيداً عن الحلول المؤقتة.
وسعى العراق خلال السنوات الماضية إلى تنويع مصادر تسليحه من خلال التعاقد مع دول متعددة، بينها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وفرنسا وروسيا، بهدف تقليل الاعتماد على مصدر واحد للسلاح.
لكن هذا التنوع يفرض تحديات إضافية تتعلق بتكامل الأنظمة العسكرية المختلفة، وتكاليف التدريب والصيانة، فضلاً عن الاعتبارات السياسية المرتبطة بالعلاقات مع القوى الدولية والإقليمية.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبدو الحاجة إلى تطوير الدفاعات الجوية العراقية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لكن نجاح هذه الجهود سيظل مرتبطاً بقدرة بغداد على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن القومي وإدارة الموارد الاقتصادية المحدودة.
وأعلنت شركة “إل.أي.جي.أن.أي.إكس1” الكورية الجنوبية لصناعة أنظمة الأسلحة المتطورة، في سبتمبر/ أيلول 2024، أنها فازت بصفقة بقيمة 3.7 تريليونات وون (2.78 مليار دولار) لتصدير نظام الدفاع الجوي والصاروخي أرض ـ جو متوسط المدى من طراز “تشيونغونغ ـⅡ” إلى العراق.
ونقلت وكالة “يونهاب” عن الشركة قولها إن “هذه الصفقة ترجع إلى دعم الحكومة الكورية النشط، وغيرها من الوكالات ذات الصلة وشركات الدفاع المحلية بما في ذلك وزارة الدفاع ووكالة تطوير الدفاع”.
وأضافت أنها “ستواصل السعي لتعزيز وجود صناعة الدفاع الكورية، وتوفير حجر الأساس لشركات الدفاع الصغيرة والمتوسطة الحجم لإيجاد فرص نمو جديدة في الخارج”.







