أسعار النفط ترتفع 5% وسط القلق على إمدادات الطاقة
على مدى عقود، بنت دول الخليج شبكة مالية ضخمة عبر صناديق الثروة السيادية التي تأسست أساسا لحفظ فوائض النفط والغاز واستثمارها عالميا تحسبا لليوم الذي قد تحتاج فيه الحكومات إلى موارد استثنائية لمواجهة الأزمات.
ومع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة واحتمالات اضطراب إمدادات الطاقة والتجارة، يرى محللون أن اللحظة التي أُنشئت من أجلها تلك الصناديق قد تكون اقتربت بالفعل على ضوء التطورات الأخيرة مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية وهي حرب قد ترتد أزمة متعددة الرؤوس اقتصادية وسياسية واجتماعية.
وتشير التقديرات إلى أن صناديق الثروة السيادية الخليجية راكمت ما يقرب من خمس تريليونات دولار من الأصول حول العالم، موزعة بين الأسهم والسندات والبنية التحتية والاستثمارات الخاصة. وقد ساعد هذا المخزون الضخم من رأس المال دول المنطقة على بناء احتياطي مالي قادر على امتصاص الصدمات الاقتصادية الكبرى.
غير أن التطورات الأخيرة في المنطقة تضع هذه الصناديق أمام تحديات جديدة، فالهجمات التي تشنها إيران في الخليج ردا على العمليات العسكرية الإسرائيلية والأميركية تثير مخاوف من صدمة مالية واسعة. ورغم أن أسعار النفط ارتفعت بنحو 20 بالمئة منذ نهاية الأسبوع الماضي، فإن التصعيد العسكري أدى في الوقت ذاته إلى اضطرابات في صادرات الطاقة عبر مضيق هرمز، فضلا عن توقف الإنتاج في بعض المنشآت الحيوية، من بينها أكبر مصفاة تابعة لشركة أرامكو السعودية داخل المملكة، إضافة إلى مواقع للغاز الطبيعي المسال في قطر.
ويرى محللون أن استمرار الصراع قد يدفع وزارات المالية في الرياض وأبوظبي والدوحة والكويت إلى الاعتماد بشكل أكبر على احتياطياتها السيادية، في ظل ارتفاع النفقات الدفاعية واحتمال تعرض سلاسل الإمداد للاضطراب، بما يشمل الغذاء والأدوية والسلع الأساسية، فضلا عن التباطؤ الاقتصادي الذي قد يرافق أي أزمة إقليمية ممتدة.
ويقول روبرت موجيلنيكي، وهو باحث متخصص في اقتصاديات الخليج، إن صناديق الثروة السيادية تمنح دول المنطقة احتياطيا ماليا قويا يمكن استخدامه عند الضرورة، مضيفا أن الحكومات قد تلجأ إلى هذه الموارد إذا تفاقمت الضغوط الاقتصادية.
وتتزايد أهمية هذه الصناديق في ضوء الدور الحيوي الذي يلعبه مضيق هرمز في تجارة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس النفط المستهلك في العالم. وأي اضطراب مستمر في الملاحة البحرية قد يؤثر على صادرات النفط من شركتي أرامكو السعودية وبترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، اللتين تعتمد معظم شحناتهما النفطية على المرور عبر هذا الممر البحري الحيوي. ورغم وجود خطوط وأنابيب بديلة، فإن طاقتها الاستيعابية لا تكفي لتعويض الكميات التي تُنقل عادة عبر المضيق.
وفي تقرير حديث، أشارت مجموعة الأبحاث غلوبال إس دبليو إف إلى أن التأثير الحقيقي للأزمة الحالية سيتوقف إلى حد كبير على مسار تدفقات الطاقة وأسعارها خلال الفترة المقبلة.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها دول الخليج لتنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط والغاز، فإن الإيرادات الهيدروكربونية لا تزال تشكل الركيزة الأساسية لميزانياتها، ففي حين يُتوقع أن تسجل الإمارات فائضا ماليا يقارب خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العامين المقبلين، تواجه السعودية ضغوطا مالية نتيجة الإنفاق الضخم المرتبط بمشروعاتها التنموية، إذ سجلت ميزانيتها عجزا بنحو 276 مليار ريال العام الماضي.
كما خفض محللو جيه بي مورغان توقعاتهم لنمو القطاعات غير النفطية في دول مجلس التعاون الخليجي، مشيرين إلى أن التوترات الإقليمية قد تؤثر سلبا على الاستثمار الأجنبي المباشر وتدفقات رؤوس الأموال، إضافة إلى خطط جذب الكفاءات العالمية التي تشكل جزءا أساسيا من استراتيجيات التنويع الاقتصادي.
وتبرز هنا أهمية صناديق مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يلعب دورا محوريا في تمويل مشاريع التحول الاقتصادي ضمن رؤية المملكة 2030، لكن هذا الدور المزدوج، كمستثمر عالمي وممول رئيسي للمشروعات المحلية، قد يفرض عليه قيودا مالية وتشغيلية أكبر مقارنة بصناديق أخرى تركز فقط على إدارة المحافظ الاستثمارية الدولية.
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى توسيع استثماراتها في قطاعات المستقبل، خصوصا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فقد استثمرت شركة مبادلة للاستثمار في مشاريع الروبوتات والبنية التحتية الرقمية، بينما شاركت شركة إم جي إكس في أبوظبي في شراكة مع شركة بلاك روك لإنشاء صندوق للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 30 مليار دولار.
كما توسعت الصناديق الخليجية في قطاعات الإعلام والترفيه والرياضة، في إطار سعيها لتعزيز القوة الناعمة وتنويع مصادر العائدات. وتشمل هذه الاستثمارات حصصا في شركات الألعاب الإلكترونية ومشروعات رياضية عالمية، إضافة إلى مشاركات في صفقات إعلامية ضخمة.
غير أن استمرار التصعيد العسكري قد يدفع هذه الصناديق إلى إعادة ترتيب أولوياتها، فبحسب خبراء، قد يصبح تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين وضمان استقرار سلاسل الإمداد، مثل الغذاء والمياه، في مقدمة الاهتمامات الحكومية إذا تفاقمت الأزمة.
وتشير تجارب سابقة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الصناديق في أوقات الطوارئ. فقد أثبتت الهيئة العامة للاستثمار الكويتية، التي تعد أول صندوق ثروة سيادي في العالم، أهميتها خلال الغزو العراقي للكويت عام 1990 عندما استخدمت الحكومة أصولها الخارجية لتمويل الدولة في المنفى.
ويرى خبراء أن السيناريو الأكثر ترجيحا في حال استمرار الاضطرابات يتمثل في تباطؤ الاستثمارات الخارجية وإعادة موازنة المحافظ الاستثمارية تدريجيا بدلا من اللجوء إلى عمليات بيع واسعة للأصول. ومع ذلك، تبقى صناديق الثروة السيادية الخليجية واحدة من أقوى أدوات الاستقرار المالي في المنطقة، وقد تلعب دورا حاسما إذا ما دخلت الأزمة الحالية مرحلة أكثر عمقا.







