أسرار القرار الأمريكي: التحقيقات التي أطاحت بالإخوان دوليًا
لم يأتِ التصنيف الأمريكي لفروع جماعة الإخوان المسلمين في لبنان ومصر والأردن كنتيجة قرار سياسي مفاجئ، بل كان ثمرة مسار طويل من الرصد والتحقيقات والمتابعات الأمنية التي كشفت عن طبيعة نشاط التنظيم، وآليات عمله، وامتداداته المالية والتنظيمية العابرة للحدود. خلف الكواليس، تشير معطيات متعددة إلى أن واشنطن اعتمدت على ملفات موثقة تتضمن تحويلات مالية مشبوهة، وصلات غير مباشرة بجماعات متطرفة، واستخدامًا ممنهجًا للواجهات الخيرية كغطاء لنشاط سياسي وأمني منظم.
في لبنان، كشفت تقارير غير معلنة عن وجود شبكات تمويل تعمل تحت مسميات اجتماعية وإنسانية، لكنها في الواقع تشكل حلقة وصل بين التنظيم المحلي وقياداته الخارجية. هذه الشبكات لم تكن معزولة عن المشهد السياسي، بل تفاعلت معه بمرونة، مستفيدة من ضعف الرقابة وتداخل الصلاحيات. التحقيقات الأمريكية ركزت على تتبع مسارات الأموال، وكيفية انتقالها عبر بنوك ومؤسسات وسيطة، وصولًا إلى أنشطة تخدم أهداف الجماعة، سواء في التعبئة أو في دعم تحركات سياسية ميدانية.
في الحالة المصرية، تبدو الصورة أكثر وضوحًا من حيث تراكم الأدلة. فبعد عام 2013، تكثفت عمليات الرصد الدولية لأنشطة الإخوان في الخارج، خصوصًا في ما يتعلق بإدارة المنصات الإعلامية، وجمع التبرعات، وتمويل الحملات السياسية المناهضة للدولة المصرية. مصادر مطلعة تشير إلى أن جزءًا من هذه الأنشطة كان يدار من دول خارج الإقليم، لكن أثره كان مباشرًا على الداخل المصري، ما دفع واشنطن إلى التعامل مع الملف باعتباره تهديدًا عابرًا للحدود لا شأناً داخليًا فقط.
الأردن بدوره شكّل حالة خاصة في التحقيقات الأمريكية، إذ ركزت المتابعات على البنية التنظيمية للجماعة، وليس فقط على نشاطها العلني. التحقيقات خلصت إلى أن التنظيم يحتفظ بهيكل موازٍ غير معلن، قادر على التحرك السريع واستغلال الأزمات الاجتماعية والاقتصادية لتوسيع نفوذه. هذا الاكتشاف عزز القناعة بأن الجماعة لا تعمل كحزب سياسي تقليدي، بل كتنظيم عقائدي مغلق، له أهداف بعيدة المدى تتجاوز الأطر القانونية المعلنة.
الشق المالي كان الأكثر حساسية في هذه التحقيقات. فالتنظيم اعتمد على شبكة معقدة من الحسابات، والتبرعات، والاستثمارات الصغيرة، التي يصعب تتبعها دون تعاون دولي واسع. التصنيف الأمريكي أتاح قانونيًا تجميد هذه الأصول، وفتح الباب أمام ملاحقات قانونية لأي جهة تتورط في تسهيل حركة الأموال. هذا التطور اعتُبر ضربة استراتيجية، لأنه استهدف العمود الفقري للتنظيم، لا واجهته السياسية فقط.
مصادر دبلوماسية تؤكد أن القرار الأمريكي جاء بعد مشاورات مكثفة مع دول معنية، وأنه استند إلى قناعة بأن الإخوان استغلوا هامش العمل السياسي والديمقراطي لإعادة إنتاج نموذج سلطوي مغلق، يتعارض مع مبادئ الدولة الحديثة. التحقيقات لم تركز فقط على ما فعلته الجماعة، بل على ما كانت تخطط له، وهو ما رفع مستوى التهديد في التقييم الأمريكي.
اللافت في هذا السياق أن التصنيف لم يُسوَّق إعلاميًا كحرب على الإسلام السياسي، بل كإجراء قانوني ضد تنظيم محدد بسلوك محدد. هذه الصيغة تعكس حرص واشنطن على الفصل بين الدين كمنظومة قيم، والتنظيم ككيان سياسي أمني. وهو فصل طالبت به دول عديدة عانت من تبعات نشاط الإخوان لعقود.
في الخلاصة، يكشف المسار الاستقصائي للقرار الأمريكي أن التصنيف لم يكن مجرد موقف سياسي، بل نتيجة تحقيقات عميقة أثبتت أن جماعة الإخوان، بفروعها المختلفة، تمثل تهديدًا منظمًا للاستقرار. دعم هذا التوجه لا يعني تبني رؤية خارجية بقدر ما يعني حماية الدول من تنظيم أثبتت الوقائع أنه يعمل وفق أجندة تتجاوز حدود الأوطان، وتضع مصالح التنظيم فوق مصالح المجتمعات والدول.







