الهدايا السياسية للقادة: رسائل رمزية في العلاقات مع ترامب
لطالما شكلت الهدايا بين قادة الدول لغة موازية تحاول اختزال أعقد العلاقات في رمزية وسردية بصرية تسبق الكلمات بغرف الاجتماعات المغلقة.
وفي الحالة الأمريكية الراهنة، يتحول اختيار هدية للرئيس دونالد ترامب إلى امتحان دبلوماسي قاسي، تختلط فيه حسابات الإعجاب الشخصي بموازين المصالح الاستراتيجية، وتتصارع فيه غريزة التملّك الرمزي مع قيود القانون وبروتوكولات الشفافية.
ووفقا لمجلة “فورين بوليسي”، تكشف أدبيات المراسم في وزارات الخارجية عن قصص مروعة من سوء التقدير وسوء الفهم، لأن الهدية، كما يشرح عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس في كتابه “مقال عن الهبة”، ليست معاملة تجارية تنتهي بالتسليم، بل تأسيس لعلاقة مستمرة تقوم على التزامات ثلاثية: العطاء، والتلقي، والرد.
وهذه الدينامية القديمة، التي تعود إلى ألواح تل العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، تفسر استمرار تبادل الهدايا بين قادة اليوم، حتى بعد أن تحولت من شحنات الذهب والعبيد إلى رموز أقل قيمة مادية وأكثر اتقادًا بالمعنى.
وأمام رئيس يولي أهمية فائقة للانطباعات الشخصية ويتوقع التبجيل، يسعى القادة الأجانب إلى تصميم هداياهم بدقة توازي تصميم خطاباتهم السياسية.
3 مسارات
بحسب المجلة، برزت 3 مسارات كلاسيكية في هذا المضمار: الأول يعتمد القوة الناعمة بإبراز ثقافة الدولة المهدية، كعلب السيجار الكوبية أو التحف الصينية المزخرفة، والثاني يتملق ثقافة المتلقي، أما الثالث فيتجه نحو التخصيص العميق الذي يخاطب هوى الرئيس الأمريكي المعروف.
وشكّل شغف ترامب برياضة الغولف مرتكزًا ألهم العديد من العواصم؛ فقد دخل رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا البيت الأبيض برفقة نجمي الغولف إرني إلس وريتيف غوسن وكتاب عن الملاعب الجنوب إفريقية.
بينما أهدته رئيسة وزراء اليابان سناء تاكايتشي مضربًا كان ملكًا للراحل شينزو آبي، في لفتة شخصية مشحونة بالحنين إلى علاقة دبلوماسية دافئة.
والرسائل الأكثر تعقيدًا حملتها هدايا مزجت بين الشخصي والسياسي الوطني، فالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قدّم مضرب غولف لجندي مبتور الساق استخدم الرياضة في إعادة تأهيله بعد بتر ساقه في الحرب ضد روسيا، محفورًا عليه “لنحقق السلام معًا”، فحوّل الهدية إلى توسّل ناعم بالدعم الأمريكي.
وعلى ضفة أخرى من التخصيص، قدم رئيس وزراء إسكتلندا سجلًا لإحصاء سكاني يعود لعام 1921 يحوي تفاصيل عن والدة ترامب، وقدّم المستشار الألماني فريدريش ميرز شهادة ميلاد جدّه المولود في ألمانيا، وكأن الهدف تثبيت الجذور الشخصية للرئيس في جغرافيا التحالفات المطلوب حمايتها.
ولم تخلُ الساحة من إيماءات بالغة الصراحة إلى طموحات ترامب، فالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أهداه خطاب ترشيح لجائزة نوبل للسلام مؤطرًا بالذهب.
بينما ذهبت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو إلى حد تقديم ميداليتها الخاصة بالجائزة، في لفتة قُصد منها استمالة غرور الرئيس الأمريكي الذي ترددت أنباء عن تطلعه إلى تلك الجائزة.
وبينما تغرق هذه الهدايا في الشخصنة، تظل تقاليد أخرى ثابتة عصية على التبدل، كوعاء الكريستال الأيرلندي المملوء بنبات النفل الذي يصل إلى البيت الأبيض سنويًا منذ عام 1952، متحولًا إلى طقس دبلوماسي يتيح لدبلن لقاء أقوى زعيم في العالم بانتظام.
بلا ثمار؟
غير أن السؤال الجوهري يظل معلقًا: هل تؤتي هذه الهدايا ثمارها؟ التاريخ يقدم أمثلة نادرة عن هدايا تركت أثرًا واضحًا، لكن القاعدة العامة اليوم أن القيمة المادية للهدايا المقدمة إلى قادة العالم تُضبط بإحكام، وفي مقدمتها الولايات المتحدة نفسها.
فقد حول بند المكافآت في الدستور الأمريكي الذي اشترط موافقة الكونغرس على قبول الهدايا الأجنبية، وقانون الهدايا والأوسمة الأجنبية الذي أقر عام 1966، الهدية من معاملة شخصية إلى إجراء منظم.
ويسمح بالاحتفاظ بالهدايا المتواضعة، أما تلك الأغلى فتُسلم إلى الأرشيف الوطني وتنتهي في المكتبات والمتاحف الرئاسية، منعًا لأي شبهة فساد أو إكراه غير مشروع.
لكن حتى الهدية الرمزية البديعة يمكن أن تختزل دبلوماسية كاملة، كما فعل ملك بريطانيا تشارلز الثالث الشهر الماضي حين قدّم لترامب جرسًا أصليًا من الغواصة البريطانية “إتش إم إس ترامب” التي تعود للحرب العالمية الثانية.
والهدية لم تثر القلق حول القيمة، لكنها ربطت بمهارة بين التحالف الأطلسي في زمن الحرب وتعاون “أوكوس” المعاصر في الغواصات، وأتاحت للملك جملته الشهيرة: “إذا احتجتم يومًا إلى التواصل معنا، فما عليكم سوى الاتصال بنا”.







