هل تعيد واشنطن رسم خريطة الإرهاب العالمي؟
استراتيجية أمريكا لمكافحة الإرهاب 2026 تعيد رسم خارطة التهديدات العالمية، والإخوان في قلب تصنيف يضعهم بسلة واحدة مع «القاعدة» و«داعش».
ويرى خبراء فرنسيون أن الاستراتيجية الجديدة التي أعلنها البيت الأبيض تمثل تحوّلاً لافتاً في المقاربة الغربية تجاه الحركات الإسلامية.
يأتي ذلك بعد إدراج الإخوان ضمن الكيانات المرتبطة بنشاطات متطرفة، وربطها بتنظيمات مثل القاعدة و”داعش” الإرهابي، ما يفتح الباب أمام نقاشات قانونية وسياسية واسعة حول حدود هذا التصنيف وتداعياته.
وفي تعقيبه، يقول الخبير القانوني الفرنسي إيمانويل ديبون، في حديث لـ”العين الإخبارية”، إن نشر هذه الاستراتيجية يمثل تطوراً مهماً في الخطاب الأمريكي، لكنه يظل ذا أبعاد سياسية أكثر منه تصنيفاً قانونياً مباشراً.
جدل قانوني
يوضح ديبون أن الربط بين الإخوان وهذه التنظيمات يعكس تشديداً في المقاربة الأمنية، دون أن يعني بالضرورة وجود تكييف قانوني موحد، نظراً لاختلاف المعايير المعتمدة في قوانين مكافحة الإرهاب على المستويين الوطني والدولي.
ويعتبر أن “الربط بين الإخوان وكل من القاعدة وداعش الإرهابيين يعكس تشديداً في الخطاب الأمني، لكنه لا يعني بالضرورة وجود تكييف قانوني موحد، لأن كل تنظيم يخضع لمعايير مختلفة في قوانين مكافحة الإرهاب الدولية والوطنية”.
ويضيف أن وصف الإخوان بأنهم “بنية منتجة للتطرف يطرح إشكالية قانونية حساسة إذ يفتح الباب أمام توسيع مفهوم التهديد ليشمل الأطر الفكرية أو الأيديولوجية، وليس فقط الأفعال العنيفة”.
ويعتبر أن هذا التوجه قد يؤدي بالفعل إلى إعادة طرح مسألة تعريف تيارات الإسلام السياسي، لكن مع خطر الوقوع في تعميمات قد لا تصمد أمام المعايير القانونية الصارمة.
وفيما يتعلق بفعالية هذه الاستراتيجية، أشار ديبون إلى أن تأثيرها سيظل مرتبطاً بمدى ترجمتها إلى إجراءات قانونية ملموسة، سواء داخل أمريكا أو عبر التعاون الدولي، لافتاً إلى أن الشبكات المرتبطة بالإخوان تختلف من دولة إلى أخرى، ما يجعل التعامل معها معقداً وغير موحد.
وأكد أن مسألة تصنيف الجماعة ككل كمنظمة إرهابية تبقى محل جدل قانوني وسياسي كبير.
وبحسب الخبير، فإن تصنيف بعض الفروع في دول معينة لا يعني تلقائياً إمكانية تعميم القرار، نظراً لاختلاف السياقات القانونية وطبيعة الأنشطة، ما يجعل أي خطوة في هذا الاتجاه تحتاج إلى أدلة دقيقة وإجماع سياسي وقضائي واسع.
من جانبه، يقول رولان لومباردي، المؤرخ المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، إن هذه الاستراتيجية الأمريكية تأتي لتؤكد تحولاً أوسع في النظرة الغربية إلى الإسلام السياسي، حيث لم يعد ينظر إلى الظاهرة فقط من زاوية أمنية ضيقة، بل كمنظومة تأثير ممتدة عابرة للحدود.
تقاطع مقاربتين
في حديث لـ”العين الإخبارية”، يعتبر لومباردي أن إدراج الإخوان ضمن هذا الإطار يعكس تقاطعاً متزايداً بين المقاربتين الأمريكية والفرنسية، خاصة في ما يتعلق بفهم ما وصفه بـ”الإسلام ذو النفوذ”، التي تعتمد على التغلغل التدريجي داخل المجتمعات عبر أدوات غير عنيفة ظاهرياً، لكنها تؤسس على المدى الطويل لتوازنات موازية داخل الدولة.
ويوضح أن اعتماد هذا التوجه في فرنسا، خاصة على مستوى مجلس الشيوخ، يعكس بدوره إدراكاً سياسياً أكثر وضوحاً لهذه الظاهرة.
ومؤخرا، اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي، بالأغلبية الساحقة، مقترح قانون زعيم الجمهوريين لمكافحة “تغلغل الإسلام السياسي”.
ويشير لومباردي إلى أن جماعة الإخوان تنخرط تاريخياً في استراتيجية تقوم على التغلغل الهادئ، والقانوني، والأيديولوجي، بهدف بناء نفوذ ثقافي ومجتمعي تدريجي، وليس بالضرورة الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة.
ويرى أن “جماعة الإخوان تنخرط تاريخياً في نهج يقوم على التغلغل الهادئ، القانوني، والأيديولوجي، حيث لا يتمثل هدفها بالضرورة في مواجهة مباشرة مع الدولة، بل في بناء تدريجي لموازين قوة على المستوى الثقافي والمجتمعي.
ويضيف أن مجلس الشيوخ (الفرنسي) يبعث من خلال ذلك برسالة سياسية مفادها أن قضية الإسلام السياسي لم تعد تقتصر على البعد الأمني فقط، بل أصبحت أيضاً مسألة حضارية وجمهورية.
وبخصوص الإجراءات المرتقبة، يتوقع الخبير أن ترتكز على عدة محاور، من بينها تشديد الرقابة على التمويلات الأجنبية للجمعيات وأماكن العبادة، وتعزيز متابعة الشبكات التعليمية والجمعوية المرتبطة بالإسلام السياسي.
كما يتوقع رفع مستوى اليقظة تجاه بعض أشكال التأثير داخل الجماعات المحلية وبعض الأحزاب مثل “فرنسا الأبية” (يسار راديكالي) بقيادة جون لوك ميلانشونو فضلاً عن تعزيز الأدوات القانونية لمواجهة الكيانات التي تروّج لما وصفه بـ”الانفصالية الأيديولوجية”.
وشدد على ضرورة تجنّب الوقوع في خطأين أساسيين: أولهما السذاجة في التعامل مع هذه الظاهرة، وثانيهما التعميم أو الخلط.
وأكد أن “مكافحة الإسلام السياسي يجب أن تظل دقيقة ومبنية على المعلومات الاستخباراتية والقانون، دون وصم عموم المسلمين في فرنسا الذين لا علاقة لغالبية كبيرة منهم بهذه التيارات، بل يجب حمايتهم منها بالدرجة الأولى”.







