متابعات إخبارية

الرباط تدفع بمقاربة الهجرة المغربية إلى النقاش داخل الأمم المتحدة


أخذ المغرب المبادرة بإعادة مسألة الهجرة إلى واجهة الاهتمام في الأمم المتحدة والتركيز على الجانب الإنساني في مقاربة شاملة قائمة على الريادة من خلال القدوة، لتنفيذ الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة، الذي تم اعتماده بمراكش سنة 2018.

وتشكل مقاربة المغرب في مجال الهجرة نموذجاً متقدماً على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث انتقلت من منطق أمني تقليدي إلى رؤية إنسانية شاملة تُوازن بين متطلبات السيادة واحترام حقوق الإنسان. وقد تجسد هذا التحول بشكل واضح من خلال تبني الرباط لسياسات عمومية مندمجة، وانخراطها الفعلي في تنفيذ مضامين الميثاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، المعروف أيضاً بـ”ميثاق مراكش للهجرة”.

وفي إطار مشاركتها في المنتدى الثاني لاستعراض الهجرة، الذي ينعقد من 5 إلى 8 مايو/أيار 2026، استعرضت المملكة إنجازاتها وأفضل ممارساتها في المجال، القائمة على مقاربة استباقية وإرادية، تتمحور حول التكريس الفعلي لالتزاماتها برسم ميثاق مراكش للهجرة.

وفي مداخلته، قال المدير التعاون الدولي والعلاقات الخارجية بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان خالد الرملي، أن المجلس يرحب بالنقاشات الحقوقية الجارية بشأن قضايا الهجرة، ويظل مستعدا لتقاسم تجربته العملية القائمة على الرصد وتنفيذ المعايير الدولية المنصوص عليها في الميثاق العالمي من أجل الهجرات.

وذكر بأن المجلس عمل خلال السنوات الأخيرة، على الترافع من أجل تطوير الإطار القانوني للهجرة واللجوء، بما يتماشى مع الدستور المغربي والالتزامات الدولية، وانكب على معالجة شكاوى المهاجرين واللاجئين عبر آلياته الجهوية (المحلية)، مع التفاعل مع الفاعلين المعنيين.

وأشار الرملي إلى أنه تم أيضا التركيز على تعزيز الالتزام بالمعايير الدولية، من خلال تنظيم نقاشات مع شركاء أمميين وأفارقة، والرصد الميداني لضمان احترام حقوق الإنسان في تدبير الحدود، مضيفا أن المجلس ركز، كذلك على تبادل الخبرات مع المؤسسات الإفريقية، خاصة في أوقات الأزمات، وعلى دعم بناء قدرات المؤسسات الوطنية الإفريقية في مجال الهجرة والولوج إلى الحقوق.

ويترأس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مجموعة العمل الإفريقية حول الهجرة، التابعة للشبكة الإفريقية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. وكان المجلس قد استضاف في أبريل/نيسان 2025، حفل التوقيع على اتفاقية إطار غير مسبوقة بين لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم والشبكة الإفريقية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان. وجرى التوقيع على هذه الاتفاقية في إطار لقاء إفريقي-أممي انعقد تحت شعار “من أجل سياسات هجرة قائمة على حماية حقوق الإنسان”.

وقدم المغرب بشكل طوعي، منشورات تستعرض حصيلته المفصلة في استراتيجيات، وسياسات عمومية وبرامج عملياتية، انسجاما مع الأهداف الـ23 للميثاق. وتغطي هذه المبادرات مجالات متنوعة، لاسيما أنسنة تدبير الحدود، ووصول المهاجرين لخدمات الصحة والتعليم، وكذلك إدماجهم السوسيو-اقتصادي، ووصولهم إلى مناصب الشغل.

ومنذ سنة 2013، أطلق المغرب الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، التي تقوم على تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، وضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والسكن. وقد استفاد عشرات الآلاف من عمليات التسوية، ما يعكس إرادة سياسية واضحة لإدماج المهاجرين داخل النسيج الاجتماعي والاقتصادي بدل تهميشهم. وهذه المقاربة تميزت بكونها شاملة، حيث شاركت فيها مؤسسات الدولة إلى جانب المجتمع المدني والمنظمات الدولية.

وتنسجم هذه المقاربة الإرادية مع توجيهات العاهل المغربي الملك محمد السادس، المتضمنة في الرسالة الملكية الموجهة إلى المؤتمر الحكومي الدولي حول الهجرة في ديسمبر/كانون الأول 2018، والتي أكد فيها أن “الميثاق العالمي ليس غاية في حد ذاته، ولا يستمد معناه الحقيقي إلا عبر التنفيذ الفعلي لمضامينه”.

واحتضنت مراكش عام 2018 المؤتمر الدولي لاعتماد ميثاق الهجرة، ما منح المغرب موقعاً ريادياً في النقاش العالمي حول الهجرة. غير أن أهمية الدور المغربي لا تقتصر على استضافة الحدث، بل تمتد إلى التنزيل العملي لمضامينه، خاصة ما يتعلق بحماية حقوق المهاجرين، وتعزيز قنوات الهجرة النظامية، ومحاربة الاتجار بالبشر.

وقد حرص المغرب على مواءمة تشريعاته الوطنية مع التزامات الميثاق، من خلال مراجعة الإطار القانوني وتعزيز آليات الحكامة، إضافة إلى إطلاق برامج للتعاون جنوب-جنوب مع دول إفريقية بهدف معالجة جذور الهجرة، مثل الفقر والهشاشة والتغيرات المناخية.

وتعتمد المقاربة المغربية على شراكات متعددة الأطراف، خاصة مع الاتحاد الأوروبي، في مجال تدبير تدفقات الهجرة ومراقبة الحدود، دون التفريط في البعد الإنساني. وقد نجح المغرب في الحفاظ على توازن دقيق بين كونه بلد عبور واستقرار، وبين التزامه بحماية كرامة المهاجرين وحقوقهم.

رغم النجاحات المحققة، لا تزال هناك تحديات تتعلق بضغط تدفقات الهجرة غير النظامية، وصعوبة إدماج بعض الفئات في سوق الشغل، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالتمويل والاستدامة. ومع ذلك، فإن التجربة المغربية تظل مرجعية في المنطقة، خاصة في ظل تصاعد الخطابات المتشددة ضد المهاجرين في عدة دول.

وتعتبر مقاربة المغرب في مجال الهجرة تحولاً نوعياً من التدبير الأمني إلى الرؤية الإنسانية التنموية، وتُجسد التزاماً فعلياً بروح ونص ميثاق مراكش. وبفضل هذه السياسة المتوازنة، يرسخ المغرب مكانته كفاعل مسؤول في حكامة الهجرة العالمية، ونموذج يُحتذى به في التوفيق بين السيادة الوطنية واحترام حقوق الإنسان.

وتفاعلا مع هذه المقاربة الملموسة، رصدت المنظمة الدولية للهجرة، أكثر من مائة من الممارسات الجيدة، تم تطويرها من قبل المغرب. وتمت دعوة المملكة إلى تقاسم تجربتها في إطار هذا المنتدى، معززة بذلك دورها كفاعل ملتزم وقوة اقتراحية في مجال الحكامة الدولية للهجرة.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى