تحقيقات

مجزرة مستشفى الضعين: دعوات لتحقيق دولي بعد قصف جوي خلّف عشرات الضحايا ودمّر منشأة طبية حيوية


تصاعدت في السودان خلال الساعات الأخيرة موجة واسعة من المطالبات المحلية والحقوقية بفتح تحقيق دولي عاجل ومستقل، عقب الهجوم الجوي الذي استهدف مستشفى الضعين التعليمي بولاية شرق دارفور، في حادثة وصفت بأنها واحدة من أكثر الهجمات دموية ضد منشأة طبية منذ اندلاع الحرب في البلاد. وأسفر القصف، الذي نُسب إلى طائرة مسيّرة تابعة لقوات بورتسودان، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، بينهم أطفال ونساء، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاوف المتزايدة من اتساع دائرة استهداف المدنيين والبنية التحتية الحيوية في مناطق النزاع.

وبحسب حصيلة أولية أعلنتها وزارة الصحة السودانية، فإن عدد الضحايا بلغ حتى الآن 64 قتيلاً، من بينهم 13 طفلاً و7 نساء و44 رجلاً، بينما ارتفع عدد المصابين إلى 81 جريحاً، بعضهم في حالات حرجة. وتشير التقديرات إلى أن الأرقام مرشحة للارتفاع في ظل استمرار عمليات البحث عن مفقودين تحت الأنقاض، وصعوبة تقديم الإسعافات الطبية الكافية نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمستشفى.

دمار واسع في المنشأة الطبية

لم يقتصر أثر الهجوم على الخسائر البشرية الفادحة، بل ألحق أيضاً دماراً واسعاً بالبنية التحتية للمستشفى، الذي يعد أحد أهم المرافق الصحية في شرق دارفور. فقد أدى القصف إلى تدمير قسم الحوادث والطوارئ بشكل شبه كامل، إضافة إلى إتلاف عدد كبير من الأجهزة والمعدات الطبية الحيوية، الأمر الذي أدى إلى خروج أجزاء واسعة من المستشفى عن الخدمة.

ووفق شهادات طبية محلية، فإن المستشفى كان يستقبل يومياً مئات المرضى من مناطق مختلفة في الإقليم، في ظل انهيار كبير في النظام الصحي بسبب الحرب المستمرة منذ أشهر. ومع خروج أقسام رئيسية من الخدمة، يخشى العاملون في القطاع الصحي من أن يؤدي ذلك إلى كارثة إنسانية إضافية، حيث سيُحرم آلاف المدنيين من الرعاية الطبية الأساسية.

اتهامات بارتكاب جريمة حرب

في أعقاب الهجوم، سارعت قوات “الدعم السريع” إلى إدانة القصف، واصفة إياه بأنه “جريمة حرب مكتملة الأركان”. وقالت في بيان رسمي إن استهداف مستشفى مدني يمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما المبادئ المتعلقة بحماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة.

وأكد البيان أن المنشآت الطبية تتمتع بحماية خاصة بموجب اتفاقيات جنيف والقوانين الدولية المنظمة للحروب، وأن استهدافها بشكل متعمد أو عشوائي يعد جريمة يعاقب عليها القانون الدولي. وشددت القوات على تضامنها الكامل مع أسر الضحايا، مؤكدة التزامها بالعمل على ضمان حقوقهم القانونية وملاحقة المسؤولين عن هذه الجريمة.

كما دعت “الدعم السريع” الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بالعدالة وحقوق الإنسان إلى التحرك العاجل لفتح تحقيقات مستقلة وشفافة، وتحديد المسؤوليات القانونية عن الهجوم، ومحاسبة كل من شارك في تنفيذه أو أصدر الأوامر به، بغض النظر عن موقعه العسكري أو السياسي.

تضامن سياسي وإدانات واسعة

من جانبها، أدانت حركة تحرير السودان الديمقراطية الهجوم، معتبرة أنه يمثل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين الدولية والشرائع الإنسانية. وأكدت الحركة في بيان لها أن استهداف منشأة طبية مكتظة بالمرضى والكوادر الصحية يشكل دليلاً على خطورة التصعيد العسكري الجاري في الإقليم.

وطالبت الحركة المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان بالتحرك الفوري لتوثيق هذه الجريمة ومحاسبة المسؤولين عنها أمام المحاكم الدولية المختصة. كما حمّلت الحركة الداعمين الإقليميين والدوليين لقوات بورتسودان المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الجرائم التي ترتكبها الآلة العسكرية التابعة لها.

وجددت الحركة تضامنها الكامل مع سكان مدينة الضعين وأسر الضحايا، مؤكدة أن دماء الأطفال الذين سقطوا في الهجوم لن تذهب هدراً، وأن العدالة يجب أن تتحقق مهما طال الزمن.

تحذيرات حقوقية من تصعيد خطير

وفي السياق ذاته، أعرب المرصد السوداني لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ إزاء تزايد وتيرة الهجمات الجوية التي تستهدف مناطق مدنية في دارفور. وقال المرصد إن القصف الذي استهدف مستشفى الضعين يأتي في إطار تصعيد عسكري متزايد، حيث تواصل قوات بورتسودان تنفيذ عمليات جوية مكثفة في عدة مناطق من الإقليم.

وأوضح المرصد في تصريحات إعلامية أن هذه العمليات باتت تشكل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين، كما تعرض البنية التحتية الحيوية لخطر الانهيار الكامل، خصوصاً في قطاع الصحة الذي يعاني أصلاً من نقص حاد في الموارد والمعدات.

وأشار المرصد إلى أن استهداف المرافق الصحية والمناطق السكنية يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، الذي يفرض على أطراف النزاع احترام مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ويحظر بشكل صريح استهداف المنشآت الطبية أو استخدامها كأهداف عسكرية.

شهادات حقوقية تدين الهجوم

وفي تعليقها على الحادثة، قالت عضو المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان، نادين علي، إن الغارات الجوية التي نفذتها قوات بورتسودان على مدن دارفور في أول أيام عيد الفطر تشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني.

وأوضحت علي أن توقيت الهجوم، الذي تزامن مع أول أيام العيد، زاد من فداحة المأساة، حيث كان العديد من المدنيين داخل المستشفى لتلقي العلاج أو مرافقة أقاربهم المرضى. وأضافت أن استهداف مستشفى الضعين التعليمي وتدميره بشكل واسع، وسقوط ضحايا من المدنيين بينهم أطفال وكوادر طبية، يمثل جريمة خطيرة تستوجب تحقيقاً عاجلاً ومحاسبة المسؤولين عنها.

وأكدت أن القانون الدولي الإنساني يمنح المنشآت الطبية حماية خاصة، ويُلزم جميع أطراف النزاع باتخاذ الإجراءات اللازمة لتجنب إلحاق الضرر بها. وشددت على أن أي اعتداء على هذه المنشآت يشكل خرقاً واضحاً للقواعد الإنسانية الأساسية التي تهدف إلى تقليل معاناة المدنيين أثناء النزاعات.

مخاوف من انهيار القطاع الصحي

ويرى مراقبون أن استهداف مستشفى الضعين قد تكون له تداعيات خطيرة على الوضع الإنساني في شرق دارفور، خاصة أن المنطقة تعاني بالفعل من نقص حاد في المرافق الطبية بعد أشهر من القتال.

ويحذر خبراء الصحة العامة من أن خروج المستشفى عن الخدمة جزئياً قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الصحية، خصوصاً في ظل انتشار الأمراض ونقص الأدوية وصعوبة نقل المرضى إلى مدن أخرى بسبب الأوضاع الأمنية.

كما يخشى السكان المحليون من أن يؤدي استمرار الهجمات الجوية إلى مزيد من النزوح، حيث قد يضطر آلاف المدنيين إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان والرعاية الصحية.

دعوات لتحقيق دولي عاجل

في ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات من قبل منظمات حقوقية وسياسية لفتح تحقيق دولي مستقل في الهجوم. ويرى ناشطون أن تحقيقاً دولياً شفافاً قد يكون الخطوة الأولى نحو ضمان العدالة للضحايا ومنع تكرار مثل هذه الهجمات.

ويؤكد هؤلاء أن توثيق الجرائم المرتكبة ضد المدنيين والمنشآت الطبية يمثل ضرورة ملحة، ليس فقط لمحاسبة المسؤولين عنها، بل أيضاً لحماية ما تبقى من البنية التحتية المدنية في السودان.

كما يطالبون المجتمع الدولي بممارسة ضغوط أكبر على أطراف النزاع من أجل الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، ووقف الهجمات التي تستهدف المدنيين والمرافق الحيوية.

أزمة إنسانية تتفاقم

يأتي هذا الهجوم في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، حيث أدت الحرب المستمرة إلى مقتل آلاف المدنيين ونزوح ملايين آخرين، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية والخدمات الأساسية.

ومع استمرار القتال في عدة مناطق من البلاد، تتزايد المخاوف من أن تتحول دارفور مجدداً إلى ساحة لصراع دموي طويل الأمد، في ظل غياب أي مؤشرات جدية على قرب التوصل إلى تسوية سياسية.

ويرى محللون أن استهداف المنشآت الطبية يشكل مؤشراً خطيراً على طبيعة المرحلة الحالية من الصراع، حيث لم تعد المرافق المدنية بمنأى عن العمليات العسكرية.

العدالة للضحايا

في مدينة الضعين، ما زال السكان يعيشون تحت وقع الصدمة، حيث تحولت المستشفى التي كانت تمثل ملاذاً للمرضى والجرحى إلى موقع لمأساة إنسانية مؤلمة. وبينما تواصل الفرق الطبية والمتطوعون جهودهم لعلاج المصابين وإجلاء الجرحى، تتصاعد أصوات المطالبين بالعدالة.

ويؤكد أهالي الضحايا أن هذه الجريمة لا يجب أن تمر دون محاسبة، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب.

وبينما تتواصل عمليات الإنقاذ وتقييم الأضرار، يبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه كثيرون في السودان اليوم: هل سيتمكن المجتمع الدولي من التحرك بجدية لحماية المدنيين، أم أن هذه المجزرة ستضاف إلى سلسلة طويلة من الانتهاكات التي ظلت بلا مساءلة؟

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى