سياسة

سباق تسلح «المُربِك».. عصر جديد لحروب الطاقة الموجهة


مع اقتراب الولايات المتحدة من احتمال الدخول في صراع عسكري مع إيران، تباهى البيت الأبيض ووزارة الدفاع (البنتاغون) بترسانة غير تقليدية من أسلحة الطاقة الموجهة، قد تمثل بداية عصر جديد من الفتك في الحروب.

وجاء الحديث العلني للإدارة عن هذه الأنظمة الجديدة بعد نجاح القوات الأمريكية في 3 يناير/كانون الثاني في اختراق الدفاعات الجوية الفنزويلية، وشلّ الدفاعات هناك، واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. وبعد تلك العملية الحاسمة، بدأ المسؤولون يلمّحون إلى أسلحة نادرًا ما يجري الحديث عنها، وربما يهدفون بذلك إلى ردع خصوم محتملين مثل إيران أو الصين، بحسب صحيفة «فورين بوليسي»

تأتي هذه الإفصاحات بشأن قدرات الولايات المتحدة في مجال الطاقة الموجّهة في وقت أثار فيه تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» مخاوف جديدة من احتمال استخدام روسيا، أو خصم أجنبي آخر، سلاح طاقة نابضة سرًا خلال العقد الماضي ضد موظفين في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ووزارة الخارجية، ما أدى إلى ظهور أعراض تُعرف باسم «متلازمة هافانا». اللافت أن أوصاف تأثيرات الهجمات الأمريكية المعلنة وتلك الأجنبية المزعومة متشابهة بشكل مقلق.

وكان الرئيس دونالد ترامب قد ألمح إلى بعض هذه الأنظمة الجديدة خلال مقابلة أجراها في 24 يناير/كانون الثاني مع صحيفة «نيويورك بوست»، حين قال إن القوات الأمريكية استخدمت ما وصفه بـ«المُربِك» (Discombobulator) لاقتحام مجمّع مادورو. وأضاف: «لا يُسمح لي بالحديث عنه. أود ذلك… لم يتمكنوا من إطلاق صواريخهم. كانت لديهم صواريخ روسية وصينية، ولم ينجحوا في إطلاق أي منها. دخلنا، ضغطوا على الأزرار، ولم يعمل شيء».

وقدّم ترامب تلميحًا آخر في خطاب ألقاه في 13 فبراير/شباط أمام جنود في قاعدة فورت براغ، موطن بعض أكثر وحدات الجيش نخبوية. قائلا: «الجميع يحاول معرفة لماذا لم تعمل (الدفاعات الجوية الفنزويلية). يومًا ما ستعرفون». وأشار تقرير لوسيلة إعلام محلية في كارولاينا الشمالية إلى أن السلاح المعطِّل يبدو مشابهًا لأنظمة غير معروفة كثيرًا لدى سلاح الجو تستخدم موجات ميكروويف عالية القدرة لتعطيل الإلكترونيات.

وجاء عرض آخر لافت للقدرات الأمريكية عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي من مكتب إميل مايكل، كبير مسؤولي التكنولوجيا في البنتاغون، قال فيه: «نعم، لدى وزارة الحرب أسلحة طاقة موجّهة. نعم، نحن نوسّع نطاقها». وأرفق المنشور بصورة حمراء زاهية لمدفع ليزري مع عبارة: «فتك بسرعة الضوء… هيمنة الطاقة الموجّهة».

تكنولوجيا «مخيفة»

ويتوقع محللون في وول ستريت طفرة استثمارية في هذه التكنولوجيا «المخيفة». فقد توقّع تقرير بحثي صادر الشهر الماضي عن شركة Astute Analytica أن ينمو السوق العالمي من 7.1 مليارات دولار في 2024 إلى 32.5 مليار دولار بحلول 2033.

وألقت تقارير عامة الضوء على بعض الأسلحة الأمريكية التي قد تُحدث تأثيرات مماثلة لما وُصف في فنزويلا. ففي 2017 نشر سلاح الجو مقطع فيديو يحاكي صاروخًا يحمل نظام ميكروويف عالي القدرة يُعرف باسم CHAMP، يُظهر انقطاعًا متدرجًا للكهرباء في مدينة بأكملها، شبيهًا بما قيل إنه حدث في كاراكاس مطلع الشهر الماضي.

كما جرى في 2023 الكشف عن سلاح ميكروويف أكثر تطورًا يُعرف باسم HIJENKS، وأوضحت بيانات لسلاحي الجو والبحرية أنه يستخدم موجات ميكروويف عالية القدرة «لتعطيل أنظمة الحواسيب، وإتلاف الإلكترونيات المستهدفة، وإرباك أنظمة الأمن والتحكم الصناعي، وغير ذلك».

وطوّر البنتاغون أيضًا أسلحة صوتية تُعرف باسم «أجهزة الصوت بعيدة المدى» يمكنها إطلاق حزم صوتية نحو الخصوم. واستخدمت نسخ أصغر من هذه «المدافع الصوتية» من قبل قوات الشرطة داخل الولايات المتحدة وخارجها للسيطرة على الحشود، وفق منظمة رقابية معنية بحقوق الإنسان.

ماذا حدث في فنزويلا؟

وبدأ النقاش العلني في البيت الأبيض حول هذه الأسلحة في 10 يناير/كانون الثاني، بعد أسبوع من الهجوم على فنزويلا، عندما نشرت المتحدثة الصحفية كارولين ليفيت رسالة على منصة «إكس» قالت فيها: «توقفوا عمّا تفعلونه واقرأوا هذا». ثم شاركت رواية منسوبة إلى حارس أمن فنزويلي عمّا جرى ليلة الهجوم، كما لخصها مؤثر يميني:

«كنا في موقع الحراسة، لكن فجأة توقفت جميع أنظمة الرادار دون تفسير»، قال الحارس، مضيفًا: «وفي لحظة ما أطلقوا شيئًا — لا أعرف كيف أصفه… كان أشبه بموجة صوتية شديدة للغاية. فجأة شعرت وكأن رأسي ينفجر من الداخل. بدأنا جميعًا ننزف من الأنف. بعضنا تقيأ دمًا. سقطنا أرضًا غير قادرين على الحركة».

المثير في هذه الرواية هو مدى تشابهها مع أول حادثة معروفة لـ«متلازمة هافانا». فقد ورد في مقدمة تقرير صدر عام 2020 عن الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب: «استيقظ أحد العاملين في السفارة الأمريكية في كوبا ليلًا عام 2016 في منزله بهافانا على ألم شديد وإحساس بضغط مكثف في الوجه، وصوت ثاقب مرتفع في إحدى الأذنين له خصائص اتجاهية، واختلال حاد في التوازن وغثيان. تلت ذلك أعراض خلل دهليزي وإدراكي».

ما سبب هذه الأعراض؟ خلصت دراسة الأكاديميات الوطنية بعد تقييم عشرات الحالات إلى أن الطاقة الموجّهة كانت «الآلية الأكثر ترجيحًا» لتفسيرها. لكن مجتمع الاستخبارات الأمريكي، بقيادة CIA، تراجع عن هذا التقييم في 2023، معتبرًا أنه «من غير المرجح جدًا» أن يكون خصم أجنبي استخدم «سلاحًا مبتكرًا» لإحداث هذه الأضرار.

ثم بدا أن الحكم تغير مجددا عندما قرر مجلس الأمن القومي في إدارة جو بايدن في يناير/كانون الثاني 2025 أن «الطاقة الكهرومغناطيسية أو الصوتية النابضة تظل تفسيرًا محتملًا في بعض الحالات».

وفي عطلة نهاية الأسبوع الماضية، عادت المخاوف إلى الواجهة بعد كشف «واشنطن بوست» أن عالمًا نرويجيًا بنى نظام ميكروويف نابضًا واختبره على نفسه، ما تسبب له بأعراض عصبية مشابهة لمتلازمة هافانا. وكان مسؤولون أمريكيون قد زاروا النرويج عام 2024 لدراسة نتائجه، كما استحوذت CIA سرًا على جهاز أجنبي يستخدم موجات راديوية نابضة لاختباره. ومع ذلك، واصل محللو الوكالة التأكيد أن الحالات لا ترتبط بروسيا أو حكومات أجنبية أخرى، ما أثار غضب بعض الضحايا.

ويرى مسؤولون سابقون في CIA خدموا في موسكو أن الوكالة كانت مترددة طويلًا في الاعتراف بخطورة الهجمات الروسية باستخدام تقنيات غير تقليدية، سواء كانت مسؤولة عن متلازمة هافانا أم لا.

ويقول رولف موفات-لارسن، الذي خدم فترتين في موسكو، إن الوكالة «لم تُجرِ مقابلات مع الضباط المتقاعدين الذين ما زالوا على قيد الحياة ممن يمكنهم رسم صورة لظروف العمل في موسكو خلال السبعينيات والثمانينيات، لتوفير سياق لتقييم التهديدات الصحية — مثل الموجات الميكرووية، والأشعة السينية، وهجمات الليزر، وأجهزة التنصت الإلكترونية، والأنفاق، وغيرها من الهجمات التقنية غير التقليدية».

ويشير إلى أن «الحقيقة أنهم لم يكونوا يعرفون ما الذي كان يفعله الـKGB — ولا يزالون لا يعرفون».

كانت المراقبة الروسية مكثفة إلى درجة أن مركز قيادة روسيًا في كنيسة قبالة المجمع الأمريكي في موسكو كان يُعرف باسم «سيدتنا للقياس عن بُعد»، لأنه كان مزودًا «بكل نوع من أجهزة المراقبة التقنية المعروفة للبشر»، بما في ذلك الليزر وأجهزة استشعار الحرارة، بحسب مذكرات حديثة لروزي موفات-لارسن.

وبحسب صحيفة «فورين بوليسي»، فإن العالم يدخل عصر أسلحة الطاقة الموجّهة. وكما هو الحال مع أي تكنولوجيا جديدة، فإن أول التزامات هو وضع «قواعد اشتباك» للولايات المتحدة ثم، إن أمكن، مع دول أخرى.

نقطة البداية هي التمييز بين استهداف العسكريين، كما حدث في فنزويلا، واستهداف الدبلوماسيين المدنيين وضباط الاستخبارات، كما يُزعم في حالات متلازمة هافانا، تقول الصحيفة، التي أشارت إلى أن الأول قد يكون مقبولًا، أما الثاني فلا ينبغي أن يكون كذلك.

وتساءلت: هل نشعل سباق تسلح جديدًا قد يضر بأمريكا أكثر من خصومها؟ قريبًا ستتمكن دول أخرى أيضًا من إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة تُحدث انقطاعات كهربائية متدرجة، وتحرق الدوائر الإلكترونية، وتتسبب بأضرار عصبية خطيرة.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى