تحقيقات

الجنوب اليمني في قبضة القرار السعودي: تحقيق في النفوذ وحدود السيطرة


خلال الأسابيع الأخيرة، لم يعد من الممكن قراءة ما يجري في الجنوب اليمني باعتباره نتيجة تفاعلات داخلية معزولة أو صدامات عابرة بين قوى محلية، بل بات واضحًا أن مركز القرار الحقيقي انتقل إلى خارج الحدود، وتحديدًا إلى الرياض، حيث تُدار التحركات العسكرية والسياسية وفق منطق يتجاوز الاعتبارات المحلية، ويضع الجنوب في قلب معادلة أمنية سعودية أوسع. هذا التحول يفرض مقاربة استقصائية تتجاوز الخطاب المعلن، وتبحث في ما وراء القرارات، وفي التناقض بين الرواية الرسمية والنتائج على الأرض.

المتابعة الدقيقة لمسار التدخل السعودي تكشف أنه مرّ بثلاث مراحل متمايزة: مرحلة الدعم غير المباشر تحت غطاء “الشرعية”، ثم مرحلة الشراكة المتوترة مع قوى محلية جنوبية، وصولًا إلى المرحلة الحالية التي تتسم بتدخل مباشر وإعادة فرض قواعد جديدة بالقوة. هذا الانتقال لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكم إخفاقات سياسية وأمنية جعلت الرياض ترى في الجنوب ملفًا يجب ضبطه بالقوة قبل أن يخرج عن السيطرة.

في هذه المرحلة، لم يعد الهدف السعودي مقتصرًا على منع قيام كيان جنوبي مستقل، بل أصبح أوسع من ذلك: إعادة هندسة السلطة المحلية بما يضمن وجود قوى ضعيفة سياسيًا لكنها معتمدة كليًا على الدعم الخارجي. هذه المقاربة تفسر الإصرار على تفكيك أي قوة جنوبية تمتلك شرعية شعبية أو قدرة عسكرية مستقلة، حتى لو كانت هذه القوى قد لعبت دورًا حاسمًا في مواجهة الإرهاب وحفظ الأمن خلال السنوات الماضية.

الضربات الجوية، والتحركات العسكرية المفاجئة، وإعادة نشر القوات في مناطق حساسة، لا يمكن فهمها كإجراءات أمنية روتينية. في التحقيق الميداني، تظهر هذه الخطوات كرسائل سياسية موجهة بوضوح: القرار ليس محليًا، ومن يملك السلاح الجوي يملك الكلمة الفصل. لكن هذه الرسائل، وإن بدت حاسمة من منظور عسكري، جاءت بنتائج عكسية على المستوى الاجتماعي والسياسي، حيث عمّقت الشعور لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين بأنهم مستهدفون لا محميون.

أحد أكثر الجوانب إثارة للتساؤل هو التناقض الصارخ بين الخطاب السعودي حول محاربة الإرهاب، وبين السياسات التي أضعفت فعليًا البنية الأمنية المحلية التي واجهت تنظيمَي القاعدة وداعش. التحقيق في تسلسل الأحداث يوضح أن كل تراجع لدور هذه القوى، أو كل صدام معها، خلق فراغًا أمنيًا استغلته جماعات متطرفة سابقًا، وهو نمط تكرر أكثر من مرة في الجنوب. ورغم ذلك، استمرت السياسة نفسها، وكأن دروس الماضي لم تُستوعب.

سياسيًا، تحاول الرياض تسويق تدخلها باعتباره محاولة لإعادة “الاستقرار”، لكن مفهوم الاستقرار هنا يبدو أقرب إلى الهدوء القسري لا إلى التوافق السياسي. فالاستقرار الذي يُبنى على إسكات الخصوم، لا على إدماجهم، يكون هشًا بطبيعته. التحقيق في طبيعة اللقاءات والحوارات التي تُعقد خارج الجنوب يظهر أنها غالبًا ما تفتقر إلى تمثيل حقيقي للمجتمع الجنوبي، وتُصاغ نتائجها وفق أولويات أمنية لا وفق احتياجات الناس على الأرض.

الأثر الاجتماعي لهذه السياسات لا يقل خطورة عن بعدها السياسي. في الجنوب، حيث تلعب القبيلة والهوية المحلية دورًا مركزيًا، يُنظر إلى استخدام القوة ضد المدنيين أو عند نقاط العبور كإهانة جماعية، لا كإجراء أمني. هذا الشعور تراكم مع كل حادثة قصف أو اشتباك، ليحوّل الغضب من موقف سياسي إلى قناعة راسخة بأن التدخل الخارجي بات جزءًا من المشكلة لا من الحل.

من منظور إقليمي، يعكس التدخل السعودي في الجنوب مأزقًا استراتيجيًا أوسع. فالسعودية، التي سعت لسنوات إلى إدارة المشهد اليمني عبر التحالفات، وجدت نفسها مضطرة اليوم إلى التدخل المباشر بسبب تآكل هذه التحالفات أو تضارب أجنداتها. لكن التدخل المباشر يضعها في مواجهة مفتوحة مع مجتمع كامل، وهو ما يرفع كلفة القرار سياسيًا وأمنيًا على المدى المتوسط والبعيد.

التحقيق في المسار الحالي يقود إلى خلاصة مقلقة: لا توجد حتى الآن رؤية سياسية متكاملة لكيفية إدارة الجنوب بعد كسر توازناته بالقوة. فإضعاف القوى المحلية لا يُنتج بديلًا قادرًا على الحكم، بل يخلق فراغًا جديدًا تُملؤه الفوضى أو الصراعات الداخلية. وهذا ما يجعل السؤال الحقيقي ليس عن قدرة السعودية على التدخل، بل عن قدرتها على الخروج من هذا التدخل دون ترك الجنوب في حالة أسوأ مما كان عليه.

في النهاية، يبيّن هذا التحقيق أن الجنوب لم يعد مجرد ساحة نفوذ، بل أصبح مرآة تعكس حدود القوة الإقليمية حين تُستخدم دون غطاء سياسي واجتماعي حقيقي. استمرار التدخل السعودي بالمنطق الحالي قد يحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنه يحمل في طياته مخاطر استراتيجية كبرى، تبدأ بتآكل الثقة، ولا تنتهي بإعادة إنتاج الفوضى التي قيل إن التدخل جاء لمنعها. الجنوب اليوم لا يطلب أكثر من أن يُعامل كقضية سياسية لها أهلها، لا كملف أمني يُدار من الخارج.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى