تحقيقات

التصنيف الأمريكي للإخوان… نهاية مرحلة وبداية تفكيك التنظيم العابر للحدود


يشكل التصنيف الأمريكي لجماعة الإخوان المسلمين وفروعها في لبنان ومصر والأردن نقطة تحول مفصلية في التعاطي الدولي مع التنظيم الذي طالما قدّم نفسه كحركة سياسية دعوية، بينما أظهرت التجربة الإقليمية الممتدة لعقود أن بنيته التنظيمية العابرة للحدود، وخطابه المزدوج، وقدرته على التغلغل داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، تمثل عناصر تهديد حقيقية للاستقرار السياسي والأمني. القرار الأمريكي لا يمكن قراءته كخطوة منفصلة أو آنية، بل يأتي في سياق تراكم طويل من التقارير الأمنية، والمتابعات الاستخباراتية، والتجارب العملية التي أثبتت أن الإخوان ليسوا مجرد فاعل سياسي معارض، بل تنظيم أيديولوجي مغلق يعمل وفق منطق السيطرة التدريجية لا الشراكة الوطنية.

في لبنان، حيث تتشابك الأزمات السياسية والطائفية والاقتصادية، استفاد فرع الإخوان من هشاشة الدولة وتعدد مراكز النفوذ، ليعيد إنتاج نفسه عبر واجهات اجتماعية وخيرية وتعليمية. هذا الحضور لم يكن بريئًا أو محصورًا في العمل الأهلي، بل شكّل قناة لتعبئة سياسية منظمة، ومحاولة لفرض خطاب أيديولوجي عابر للهوية الوطنية اللبنانية، ما جعل الجماعة جزءًا من معادلة عدم الاستقرار المزمن. من هذا المنطلق، فإن التصنيف الأمريكي يحدّ من قدرة التنظيم على الحركة الدولية، ويجعل شبكاته الخارجية عبئًا عليه بدل أن تكون مصدر قوة.

أما في مصر، فإن القرار الأمريكي يحمل دلالة سياسية عميقة، تتجاوز مسألة الدعم الرمزي. فالدولة المصرية خاضت مواجهة مفتوحة مع الإخوان منذ أكثر من عقد، بعدما كشفت تجربة الحكم القصيرة للجماعة عن مشروع إقصائي لا يعترف بفكرة الدولة الوطنية ولا بالتعددية السياسية. التصنيف الأمريكي يعيد الاعتبار لرؤية القاهرة التي اعتبرت الإخوان تنظيمًا يهدد بنية الدولة، وليس مجرد تيار سياسي خاسر في صندوق الانتخابات. كما يوجه رسالة إلى الأطراف الدولية التي طالما راهنت على “احتواء” الإخوان، مفادها أن التنظيم غير قابل للإصلاح أو الإدماج.

في الأردن، تبدو المقاربة مختلفة شكليًا لكنها متقاربة جوهريًا. فالإخوان هناك عملوا طويلًا ضمن هامش قانوني واجتماعي، إلا أن هذا الهامش استُخدم لبناء نفوذ موازٍ، سياسي واقتصادي، يضع التنظيم في موقع المتحكم لا الشريك. التصنيف الأمريكي يأتي ليضع حدًا لهذا المسار، ويمنح الدولة الأردنية غطاءً دوليًا لمراجعة العلاقة مع الجماعة على أسس أمنية وقانونية، لا سياسية فقط.

التحليل الأوسع للقرار يكشف أنه يعكس تحوّلًا في الرؤية الأمريكية نفسها، من التعامل البراغماتي مع الإسلام السياسي، إلى مقاربة أكثر صرامة تقوم على تقييم النتائج لا النوايا المعلنة. فالتجربة أثبتت أن خطاب الاعتدال الذي ترفعه الجماعة في الغرب يختلف جذريًا عن سلوكها في الشرق الأوسط، حيث تُستخدم الديمقراطية كأداة وصول لا كنظام حكم. هذا التناقض كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت واشنطن لإعادة النظر في تصنيفها للتنظيم.

كما أن البعد المالي يشكل عنصرًا محوريًا في هذا التحول. فالإخوان بنوا عبر عقود شبكة مالية دولية معقدة، تستفيد من الجمعيات الخيرية، والمنظمات غير الربحية، والتحويلات العابرة للحدود. إدراج الفروع على قوائم الإرهاب يضرب هذه الشبكات في صميمها، ويجعل أي تعامل مالي معها مخاطرة قانونية كبرى، ما يؤدي عمليًا إلى تجفيف منابع التمويل التي شكّلت شريان حياة للتنظيم.

في المحصلة، لا يمكن فصل التصنيف الأمريكي عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتزايد القناعة بأن التنظيمات الأيديولوجية العابرة للدول تشكل تهديدًا مستدامًا يفوق في خطورته الجماعات المسلحة التقليدية. دعم الجهود الأمريكية في هذا الاتجاه لا يعني الاصطفاف السياسي، بل الانحياز لمنطق الدولة الوطنية والاستقرار، ورفض توظيف الدين كأداة للهيمنة السياسية. وهو ما يجعل هذا التصنيف خطوة ضرورية في مسار طويل لتفكيك أحد أكثر التنظيمات إثارة للجدل في التاريخ السياسي الحديث للمنطقة.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى