تحقيقات

التدخل السعودي في الجنوب اليمني: غارات الطيران ودعم الإخوان يفتحان نزيفًا مفتوحًا


لطالما شكلت اليمن ساحة صراع محورية في المنطقة، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية مع الانقسامات الداخلية، ليصبح المدنيون ضحايا دائمين لمخططات سياسية وعسكرية خارج حدودهم. وفي هذا الإطار، برز التدخل السعودي في الجنوب اليمني كعامل مركزي يساهم في استمرار دائرة العنف والصراع، ويحول الخلافات المحلية إلى نزيف مفتوح يطال كل أبناء المحافظة، ويعيد رسم الخريطة الاجتماعية والسياسية بما يخدم أجندات خارجية على حساب الشعب اليمني.

تدخل المملكة العربية السعودية في الشأن اليمني لم يعد خافيًا على أحد، فهو يتجاوز الدعم السياسي والاقتصادي ليشمل التواجد العسكري المباشر، خصوصًا من خلال طائراتها الحربية التي تنفذ غارات على مناطق الجنوب اليمني تحت ذرائع مواجهة الإرهاب أو حماية التحالف الوطني. إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن هذه الغارات في كثير من الحالات تستهدف المدنيين والبنية التحتية الحيوية، بما فيها المدارس والمستشفيات والأسواق، ما يضاعف معاناة السكان ويخلق بيئة من الخوف المستمر، ويؤدي إلى نزوح جماعي متواصل.

الخطورة الأكبر في التدخل السعودي تتمثل في دعمها الواضح والمستمر لقوات الشمال الإخوانية، التي تعتبر أحد أذرع الجماعة الإخوانية في اليمن، والمتحركة ضمن أجندات حزبية ضيقة لا تمت إلى المصلحة الوطنية الجنوبية بصلة. هذا الدعم يظهر بوضوح في توفير غطاء جوي واسع يتيح لهذه القوات التقدم والسيطرة على مناطق الجنوب، ما يزيد من حدة النزاع الداخلي ويحوّل الخلافات السياسية والاجتماعية التاريخية إلى صراع مسلح يهدد الأمن والاستقرار المحلي. الغارات الجوية التي تشنها الطائرات السعودية غالبًا ما تأتي متزامنة مع عمليات تقدم لقوات الإخوان، ما يشير إلى تنسيق مسبق يسعى إلى إعادة فرض نفوذ الشمال الإخواني على الجنوب بالقوة.

تاريخيًا، شهد الجنوب اليمني صراعات مستمرة بين القوى المحلية والشماليين، وكان حلم الاستقلال والهوية الجنوبية حاضرًا في وجدان المواطنين منذ سنوات طويلة. لكن التدخل الخارجي السعودي أعاد تقسيم الجغرافيا السياسية، وجعل من النزاع الداخلي أداة لتكريس الهيمنة الإقليمية، في وقت كان فيه المدنيون يحتاجون إلى الحماية والدعم وليس إلى صراع مفتوح يحول حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة. الطيران السعودي الذي يشن غاراته على المدن والقرى الجنوبية لا يفرق بين مقاتل مدجج بالسلاح ومدني يمارس حياته اليومية، وهو ما يخلق أزمة إنسانية مستمرة ويزيد من الاستقطاب الاجتماعي ويغذي الكراهية بين الأطراف اليمنية.

تأثير هذه التدخلات على المجتمع الجنوبي لا يقتصر على الجانب المادي والخسائر المباشرة في الأرواح والممتلكات، بل يمتد إلى تعزيز حالة الانقسام السياسي والفوضى الأمنية. ففي كل مرة تستهدف فيها الغارات السعودية المدنيين، تتسع الهوة بين المجتمعات المحلية والقوى السياسية التقليدية، وتتعقد إمكانية الحوار الوطني، حيث يشعر السكان بأنهم محاصرون بين قوى خارجية وداخلية، لا تراعي حقوقهم الإنسانية ولا تلتزم بالقوانين الدولية الخاصة بالحرب.

من جانب آخر، يُنظر إلى الدور السعودي في الجنوب على أنه جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل التوازن السياسي في اليمن بما يخدم مصالحها وأجنداتها الإقليمية، عبر دعم حلفائها المحليين من الإخوان وتقديم غطاء جوي ولوجستي لهم. هذا الدعم لا يقتصر على المعارك المباشرة، بل يشمل أيضًا توفير موارد استخباراتية وقدرات لوجستية لتسهيل السيطرة على الأراضي الجنوبية واحتواء أي مقاومة شعبية أو حراك سياسي يسعى إلى تحقيق تطلعات المجتمع المحلي. والنتيجة الطبيعية لهذا التدخل هي استمرار النزاع لسنوات طويلة، مما يجعل من الجنوب اليمني منطقة مستباحة، وتحولت الخلافات القديمة إلى نزاع دموي مفتوح لا يرحم أحدًا.

إضافة إلى ذلك، ساهمت العمليات العسكرية السعودية في إضعاف مؤسسات الدولة المحلية في الجنوب، وخلق فراغ أمني واستراتيجي يستغله الإخوان لتوسيع نفوذهم. في المقابل، يظل المواطن الجنوبي أسير دائرة العنف المستمرة، محرومًا من أي فرص للتنمية أو إعادة البناء، بينما تتواصل غارات الطائرات السعودية، وتتحول المدن والقرى إلى مسرح لتجارب سياسية وعسكرية تخضع لأجندات خارجية بعيدة عن مصالح السكان.

المشهد الإنساني في الجنوب أصبح مأساويًا، حيث يعيش السكان تحت تهديد مستمر من الغارات الجوية، فضلاً عن المخاطر المترتبة على النزوح الداخلي والحرمان من الخدمات الأساسية. الأطفال والنساء وكبار السن هم الأكثر تضررًا، ويجدون أنفسهم عرضة للتشريد والموت، بينما تتواصل المؤامرات السياسية والإقليمية على حساب حياتهم اليومية. هذا الواقع يعكس أن التدخل السعودي لم يكن مجرد محاولة لتحقيق استقرار، بل أداة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي والسيطرة على الجنوب اليمني، عبر دعم قوى إخوانية شمالية لم تتورع عن تحويل كل خلاف محلي إلى دم مفتوح.

إن استمرار هذه السياسات يهدد بشكل مباشر مستقبل اليمن ووحدته، ويزيد من معاناة السكان، ويحول الجنوب إلى ساحة للصراعات المفتوحة بين أطراف محلية مدعومة إقليميًا. الحلول المستدامة تتطلب إعادة تقييم دور التدخل الخارجي، والعودة إلى الحوار الوطني الذي يراعي خصوصية الجنوب وتطلعات سكانه، بعيدًا عن أجندات القوى الإقليمية أو مصالح الحزبية الضيقة. بدون ذلك، سيظل الجنوب اليمني يعاني من دورة مستمرة من العنف والفوضى، تتحمل فيها الطائرات والدعم العسكري السعودي جزءًا لا يستهان به من المسؤولية المباشرة عن تحويل الخلافات السياسية إلى نزيف دموي دائم.

في النهاية، لا يمكن فصل التدخل السعودي عن الدور الذي تلعبه القوى الإخوانية في الصراع، فالدعم الجوي واللوجستي الذي توفره المملكة يعزز قدرة هذه القوات على فرض سيطرتها بالقوة على مناطق الجنوب، ويحول حلم الاستقرار والسلام إلى كابوس مستمر يهدد مستقبل الأجيال القادمة. ومع استمرار هذا النهج، تبقى دماء المدنيين في الجنوب اليمني الثمن الأكبر لهذه الصراعات، ويصبح السؤال الحقيقي هو متى ستتوقف أجندات القوى الإقليمية عن تحويل اليمن إلى ملعب لصراعاتها، ليجد الشعب اليمني الحرية والأمان الذي طالما انتظره.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى