ثغرة الحراسة تكشف فشل الأمن الإيراني أمام القصف الإسرائيلي

كشفت عملية استخباراتية بالغة التعقيد النقاب عن واحدة من أبرز الثغرات الأمنية في تاريخ الصراع الإسرائيلي-الإيراني.
ووفقا لصحيفة «نيويورك تايمز»، تمكنت إسرائيل من استغلال الحراس الشخصيين للقادة الإيرانيين كمدخل لاستهداف النخبة السياسية والعسكرية في طهران.
هذه العملية، التي تمت خلال الحرب القصيرة بين البلدين في يونيو/حزيران الماضي، كشفت عن هشاشة غير متوقعة في أشد الحلقات الأمنية حرصا وحساسية.
ففي مشهد يبدو مستقى من أفلام الجاسوسية، التزم كبار المسؤولين والعسكريين الإيرانيين بإجراءات أمنية صارمة خلال اجتماع سري للمجلس الأعلى للأمن القومي في ملجأ تحت الأرض، حيث امتنع الجميع عن حمل هواتف محمولة لتجنب أي احتمال للتعقب.
لكنّ المقاتلات الإسرائيلية تمكنت مع ذلك من إسقاط قنابلها على مدخل الموقع في التوقيت الدقيق لبدء الاجتماع، في ضربة وصفت بأنها «معجزة استخباراتية».
المفارقة الصادمة، وفقاً لتقارير استخباراتية ومسؤولين إيرانيين وإسرائيليين، تكمن في أن إسرائيل تمكنت من تعقب موقع الاجتماع السري عبر هواتف الحراس الشخصيين الذين كانوا ينتظرون خارج الموقع.
هؤلاء الحراس، الذين كانوا يحملون هواتفهم الشخصية ويتفاعلون على وسائل التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان، أصبحوا بطريقة غير مقصودة البوابة التي اخترقت منها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أمن الدولة الإيراني.
هذه الثغرة الأمنية لم تكن سوى حلقة في سلسلة من النجاحات الاستخباراتية الإسرائيلية التي مكنتها من استهداف 13 عالما نوويا وقائدا عسكريا رفيعا خلال أيام قليلة.
والعملية، التي أطلق عليها الإسرائيليون اسم «فريق قطع الرؤوس»، اعتمدت على معلومات مفصلة من أرشيف نووي سري سرقه الموساد من إيران عام 2018، مما وفر خريطة طريق للاستهداف الدقيق.
كيف حاولت إيران سد الثغرة؟
الرد الإيراني على هذه الثغرة كان سريعا وقاسيا؛ فبالإضافة إلى إعدام العالم النووي روزبه وادي بتهمة التجسس، اعتقلت طهران عشرات المسؤولين العسكريين والأمنيين للاشتباه في عملهم لصالح إسرائيل.
كما فرضت قواعد أمنية جديدة صارمة تمنع الحراس من حمل الهواتف المحمولة، وتقتصر اتصالاتهم على أجهزة اللاسلكي التقليدية، في محاولة لسد الثغرة التي كادت تكلف النظام غاليا.
لكن الأثر الأعمق لهذه العمليات يتجاوز الإجراءات الأمنية الظاهرية، فكما اعترف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في تصريحات لاحقة: «لو نجحوا في قتل كبار المسؤولين لعمّت الفوضى البلاد… كان الناس سيفقدون الأمل». هذه العبارة تختزل الخشية الحقيقية من أن الثغرة الأمنية لم تكن تقنية فحسب، بل كانت انعكاسا لهشاشة بنيوية قد تهدد النظام برمته.
ولا تزال التداعيات الاستراتيجية لهذا الاختراق الأمني تتردد في أروقة صنع القرار في طهران، فبالإضافة إلى موجة الاعتقالات والإعدامات، أطلقت إيران حملة مراجعة أمنية شاملة تشمل جميع مستويات الدولة. كما بدأت في اعتماد بروتوكولات اتصال أكثر أمانا، واستثمرت في تطوير أنظمة اتصالات محمية ضد الاختراق.
من جهة أخرى، مثلت هذه العملية نقلة نوعية في القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، حيث أظهرت قدرة فائقة على اختراق أشد الأنظمة أمانا.
والنجاح في استهداف هذا العدد من الشخصيات رفيعة المستوى في فترة زمنية قصيرة يشير إلى وجود شبكة تجسس متطورة وعميقة الجذور داخل المؤسسات الإيرانية.
وترى الصحيفة أن الدرس المستفاد من هذه الحادثة يتجاوز الجانب الأمني التقني ليطول البعد النفسي والسياسي؛ فالقدرة على اختراق حلقة الحماية الشخصية للقادة تثير تساؤلات حول مدى أمان هؤلاء القيادات، وتُضعف ثقة النخبة الحاكمة في أجهزتها الأمنية، وقد تدفع نحو مزيد من الشك والريبة داخل أروقة الحكم في طهران.
وفي المحصلة، فإن هذه الحادثة لا تمثل مجرد عملية استخباراتية ناجحة لإسرائيل، بل تشير إلى تحول في طبيعة الصراع بين البلدين، حيث أصبحت الحرب الإلكترونية والاستخباراتية تحتل الصدارة في موازين القوى، وتُعيد تعريف معنى الأمن والحماية في عصر التكنولوجيا المتقدمة.