من المعارك إلى المفاوضات.. هل هناك طريق لتسوية حلب؟
تطورات متناقضة ومتسارعة في حلب؛ وقف إطلاق نار “انهار سريعا” واستعدادات لجولة جديدة من القصف، ما يعقد الخلافات بين دمشق والقوات الكردية.
هذه التطورات، تثير أيضا تساؤلات حول فرص تسوية الخلافات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، بعد أشهر من اتفاق وقعه الطرفين في مارس/آذار الماضي، وحمل أمالا في تسوية الملف.
ودعا الجيش السوري، الجمعة، السكان إلى إخلاء مناطق في حي كردي في حلب قبل قصفها، متهما قوات سوريا الديموقراطية (قسد) باستخدامها لأغراض عسكرية، بعيد ساعات من إعلان وقف لإطلاق النار في المدينة.
توتر مستمر
وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت، فجر الجمعة، عن وقف لإطلاق النار في حلب، ودعت الأكراد إلى إخلائهما تمهيدا لنقلهم إلى مناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا. لكن القوات الكردية رفضت وأكّدت أنها ستواصل “الدفاع” عن مناطقهم.
وبعد ساعات، نشرت وكالة “سانا” الرسمية خرائط أعدها الجيش لمواقع في حي الشيخ مقصود يعتزم “استهدافها”، داعيا السكان إلى “إخلائها فورا”، ومتهما “قسد” باتخاذها “كموقع عسكري لقصف أحياء وسكان مدينة حلب”.
وتبادلت القوات الحكومية والكردية منذ الثلاثاء الاتهامات بإشعال الاشتباكات التي أوقعت حتى 21 قتيلا على الأقل. وهي تأتي على وقع تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) منذ توقيعهما اتفاقا في مارس/آذار نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
وتثير الاشتباكات الحالية مخاوفا حول مستقبل “اتفاق مارس”، وكذلك الاستقرار في سوريا، إذ قال آرون لوند من مركز سينشري إنترناشونال للأبحاث، لـ”فرانس برس”: “هذا ليس صراعا مفتوحا بعد (…) كلا الطرفين يحاول الضغط على الآخر”.
لكنّه حذّر من أن “نشوب صراع شامل بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية في شمال سوريا، قد يكون له أثر مدمر على استقرار البلاد”.
اتفاق مارس
نص اتفاق العاشر من مارس/آذار 2025 بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، والذي توسط فيه مسؤولون أمريكيون، على البنود التالية:
- ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة، بناءً على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية.
- المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية.
- وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية.
- دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.
وكان يُفترض إنهاء تطبيق بنود اتفاق مارس/آذار الماضي، بنهاية 2025، إلا أن تباينا في وجهات النظر حال دون إحراز تقدم، رغم ضغوط تقودها واشنطن الداعمة للطرفين بشكل رئيسي، فيما تهدد الاشتباكات الحالية مستقبل الاتفاق.
إذ قالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إلهام أحمد، لوكالة “فرانس برس”: “نحن حريصون على السلم وحل المشاكل بالحوار. لكن حتى هذه الدقيقة الحكومة تعاند، ولا تريد الحل”.
وأضافت أن “الطرف الحكومي بهذه الهجمات يسعى لإنهاء الاتفاقات المنعقدة. نحن ملتزمون بها ونسعى لتنفيذها”.
وأشارت إلى وجود “تواصل متقطع وبطيء” مع الحكومة، معتبرة أن سببه هو أن “الطرف الحكومي المؤقت اختار طريق الحرب”.
نقاط الخلاف
ووفق تقارير صحفية، فإن الخلاف الجوهري بين طرفي التفاوض يكمن في نظام الحكم في سوريا، الذي تطالب الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بنظام لا مركزي، وهو يتم رفضه باستمرار من قبل حكومة دمشق.
وكانت الحكومة السورية قالت في بيان في يوليو/تموز الماضي، إنها ترحب بأي مسار من شأنه تعزيز وحدة وسلامة الأراضي السورية”، وشددت في بيانها على “تمسكها الثابت بمبدأ سوريا واحدة وجيش واحد وحكومة واحدة، وترفض رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التقسيم أو الفيدرالية التي تتعارض مع سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة ترابها.
فيما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، عن غريغوري أفتانديليان، وهو زميل غير مقيم في المركز العربي في واشنطن، قوله: “لعلّ مظلوم عبدي رأى في بطء تنفيذ اتفاق مارس/آذار خطوةً حذرة بعد أن شهدت سوريا حوادث عنف طائفي واسعة النطاق بحق العلويين في اللاذقية، ولاحقاً بحق الدروز في السويداء”.
المحلل السياسي فراس يونس، قال في حديث لـ”العين الإخبارية”، إن المعارك الحالية تعكس “الاستعصاء الذي حدث في اتفاق العاشر من مارس/آذار، ويعيدنا للمربع الأول، وهو ضرورة تحديد العديد من المسائل، وعلى رأسها تعريف الدولة ووظيفتها، ويجب أن تكون موضوع اتفاق بين السوريين”.
وتابع “كان هناك إلحاح شديد على ضرورة خروج كل القوى الكردية وأن يتم تشكيل فرق حماية مشتركة عسكرية وأمنية من الطرفين، إلا أن إشكالات منعت من تحقيق ذلك”.
وأضاف: “سوريا يناسبها أن تكون نظام لا مركزي، وهذا يتطلب أن يكون هناك مؤتمر حوار وطني موسع لمناقشة كل القضايا التي تتعلق بمصير الدولة والمكونات الوطنية والاجتماعية في سوريا”.
دور أمريكي؟
بدوره، كتب المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، عبر منصة “إكس” الجمعة “ترحب الولايات المتحدة بحرارة بوقف إطلاق النار الموقت الذي تمّ التوصل إليه الليلة الماضية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب”.
وأعرب عن “بالغ الامتنان لجميع الأطراف…على ضبط النفس وحسن النية اللذين جعلا هذا التوقّف الحيوي ممكنا””، مؤكدا العمل “بجهد على تمديد وقف إطلاق النار”، لكن الأمور لم تسر كما يريد، إثر الحديث عن استعدادات لقصف جديد.
فيما نقلت “فرانس برس” عن مصادر مطلعة، أن باراك يتوجه إلى دمشق، الجمعة، لبحث ملف التوتر والاشتباكات الحالية”.
هنا، قال المحلل السوري فرانس يونس، إن “الإمكانية الحقيقية لحل الخلاف، هي بيد الولايات المتحدة، إذ يجب أن يكون له دور فاعل وحاسم”، مضيفا: هناك إمكانية حقيقية للوصول إلى اتفاق بين الطرفين، لكن يجب أن يكون هناك مرونة وتوازنات متبادلة”.
ولعبت الولايات المتحدة دور الوساطة بين دمشق والأكراد في اتفاق مارس/آذار الماضي، وتتمتع بعلاقات قوية مع الطرفين.
وتابع أن التوصل لحل “يوفر على السوريين الكثير من المعارك والاشتباكات كما حدث في اليومين الماضيين”.







