سياسة

مرحلة ما بعد مادورو.. قرارات صعبة أمام زعيمة فنزويلا الجديدة


في الوقت الذي لا تزال فيه السفن الحربية الأمريكية ترابط في البحر الكاريبي، تضغط إدارة دونالد ترامب لإجبار قيادة فنزويلا الجديدة على الانصياع لمطالبها السياسية والاقتصادية.

وضع يمثل تحديًا كبيرًا، بالنسبة لديلسي رودريغيز، التي تصدّرت المشهد السياسي في فنزويلا عقب اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.

فبين الموازنة بين تثبيت أركان حكمها داخليًا، والحفاظ على تماسك إرث سياسي ثوري معادٍ للولايات المتحدة، وبين تلبية مطالب إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تفرض واقعًا جديدًا بقوة السلاح، وجدت رودريغيز نفسها أمام اختبار بالغ التعقيد، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

ومع ارتفاع حصيلة القتلى جراء العملية العسكرية الأمريكية التي انتهت باعتقال مادورو، وجدت رودريغيز نفسها أمام مشهد داخلي مضطرب.

وخيّمت الصدمة على معظم أنحاء البلاد، حيث بدت شوارع المدن الكبرى هادئة على نحو غير معتاد، فيما حاول السكان استيعاب ما جرى من غياب مفاجئ لرجل حكم البلاد بقبضة سلطوية لأكثر من عقد، والذي كان حضوره جزءًا من الحياة السياسية اليومية للفنزويليين.

وتكشف هذه التطورات حجم التناقض الذي يواجه رودريغيز، التي كانت نائبة لمادورو، وتجد نفسها اليوم على رأس نظام يستمد شرعيته التاريخية من معارضة ما يعتبره «الإمبريالية الأمريكية».

وفيما بدا استعادة لنهج «دبلوماسية الزوارق الحربية»، هدّد ترامب، بحسب ما نقلته مجلة «ذا أتلانتيك»، بأن رودريغيز قد «تدفع ثمنًا أكبر» من سلفها إذا استمرت في رفض التعاون.

ولاحقًا، وعندما سُئل على متن الطائرة الرئاسية عن الجهة التي تدير فنزويلا، قال: «لا تسألوني من المسؤول، لأن إجابتي ستكون مثيرة للجدل»، قبل أن يضيف تحت إلحاح الصحفيين: «نحن المسؤولون».

وتناقضت هذه التصريحات مع ما قاله ترامب قبل ذلك بساعات، حين أشار إلى أن رودريغيز ستتعاون مع الولايات المتحدة في إدارة شؤون البلاد، غير أن رد فعلها جاء سريعًا، إذ هاجمت واشنطن بشدة ووصفت اعتقال مادورو بأنه «عمل وحشي».

وبدا أن خطاب رودريغيز موجّه بالأساس إلى قواعد الحركة البوليفارية التي تنتمي إليها، والتي تتسم بعداء عميق للولايات المتحدة، وكذلك لحليفها الوثيق إسرائيل.

فالعلاقة المتوترة بين فنزويلا وإسرائيل تعود إلى عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، الذي قطع العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب عام 2009 وطرد سفيرها.

وفي هذا السياق، وصفت رودريغيز التدخل الأمريكي بأنه «صهيوني بلا شك»، في تصريح أثار ردود فعل غاضبة.

ويرى محللون أن هذا الخطاب يعكس حقيقة أن رودريغيز ليست مجرد تكنوقراطية براغماتية -كما يعتقد بعض المسؤولين في واشنطن-، بل هي وريثة مشروع سياسي أطلقه تشافيز قبل نحو ثلاثة عقود، قائم على توظيف عائدات النفط لتحقيق تحولات مستوحاة من الفكر الاشتراكي.

ويقول فيل غونسون، كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية في كاراكاس، إن دوائر في واشنطن تميل إلى الاعتقاد بأن المشروع التشافيزي فقد مضمونه الأيديولوجي، لكنه يضيف: «لا أعتقد أن هذا صحيح. ما زالوا يرون أنفسهم قادة ثورة، ولا يمكنهم تحمّل الظهور بمظهر من يحوّل فنزويلا إلى مجرد تابع للولايات المتحدة».

ورغم كفاءتها النسبية في إدارة الملفات الاقتصادية، وهو ما يفسر عدم اعتراض إدارة ترامب على صعودها، فإن رودريغيز لا تزال مضطرة إلى كسب دعم شخصيات نافذة داخل النظام، مثل وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو ووزير الدفاع بادرينو لوبيز، اللذين يسيطران، بحسب غونسون، على الجيش والشرطة والتشكيلات شبه العسكرية وأجهزة الاستخبارات.

من جانبه، لمح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى استعداد واشنطن لتجاوز بعض التصريحات التصعيدية الصادرة عن رودريغيز، خاصة بعد الضربة القاسية التي وجهتها القوات الأمريكية للجيش الفنزويلي.

وقال روبيو، لشبكة «إيه بي سي نيوز»، إن التصريحات العلنية في مثل هذه الظروف غالبًا ما تكون موجهة للاستهلاك الداخلي، خصوصًا بعد ساعات قليلة من اعتقال من كان يمسك بزمام السلطة.

وفي محاولة لخفض منسوب التصعيد، أصدرت رودريغيز بيانًا متأخرًا مساء الأحد، دعت فيه الولايات المتحدة إلى «العمل المشترك على أجندة تعاونية قائمة على التنمية المشتركة، في إطار القانون الدولي، وتعزيز التعايش المجتمعي»

غير أن المشهد ازداد تعقيدًا مع ظهور إدموندو غونزاليس، الدبلوماسي السابق المنفي، في بيان مصور أعلن فيه نفسه رئيسًا لفنزويلا والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما عمّق حالة الارتباك بين المواطنين.

ويقول إفرين روخاس، وهو سائق حافلة يبلغ 45 عامًا في مدينة ناغواناغوا: «لا أحد يستطيع أن يشرح كيف تولت ديلسي الرئاسة، ولا مدة ولايتها، ولا حتى ما الذي يفعله الأمريكيون هنا. الشائعات كثيرة، لكن الحقيقة أن لا أحد يعلم».

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى