تحقيقات

كيف أعادت واشنطن تعريف الخطر الإخواني في استراتيجية مكافحة الإرهاب الجديدة؟


لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى التهديدات الإرهابية من زاوية التنظيمات المسلحة وحدها، بل باتت المقاربة الأمنية الأمريكية تتجه بصورة متزايدة نحو التعامل مع ما تصفه دوائر سياسية  واستخباراتية بـ”البيئات الأيديولوجية الحاضنة للتطرف”. وفي قلب هذا التحول عاد اسم جماعة الإخوان المسلمين إلى الواجهة، ليس باعتبارها مجرد حركة سياسية دينية عابرة للحدود، وإنما كجزء من نقاش أوسع داخل واشنطن حول العلاقة بين الإسلام السياسي والحركات الجهادية المعاصرة.

وخلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد هجمات السابع من أكتوبر وما تبعها من تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، برز اتجاه داخل مؤسسات أمريكية وأوروبية يدعو إلى إعادة تقييم دور الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي في إنتاج بيئات التطرف، حتى وإن لم تكن جميع هذه الجماعات منخرطة بصورة مباشرة في العمل المسلح.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فالتقارير الأمنية الغربية باتت تتحدث عن أن التهديد الإرهابي لم يعد يعتمد فقط على “الخلايا الصلبة”، بل على منظومات فكرية وإعلامية ومالية قادرة على إعادة إنتاج التطرف عبر الأجيال، وهو ما دفع واشنطن إلى تطوير مفهوم أكثر اتساعًا لمكافحة الإرهاب، يتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية نحو استهداف البنية الفكرية والتنظيمية العابرة للحدود.

من الحرب على الإرهاب إلى الحرب على البيئة الحاضنة

منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ركزت الولايات المتحدة بصورة أساسية على التنظيمات المسلحة مثل تنظيم القاعدة، ثم لاحقًا تنظيم داعش. غير أن التجارب الممتدة من أفغانستان إلى العراق وسوريا كشفت لصناع القرار الأمريكي أن القضاء على التنظيمات المسلحة لا يعني بالضرورة إنهاء الظاهرة المتطرفة.

ففي كل مرة كانت تظهر جماعات جديدة بأسماء مختلفة لكنها تحمل الأدبيات ذاتها، وتعيد إنتاج خطاب “الحاكمية” و”التمكين” و”الصدام مع الدولة الوطنية”، وهي مفاهيم ارتبطت تاريخيًا بكتابات منظرين محسوبين على تيارات الإسلام السياسي الراديكالي.

داخل هذا السياق، بدأت تتوسع داخل واشنطن قناعة مفادها أن المعركة لم تعد أمنية فقط، بل أيديولوجية أيضًا. ولذلك أخذت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب منحى أكثر شمولًا، يقوم على تفكيك الشبكات الفكرية والمالية والإعلامية التي تسمح باستمرار التطرف حتى بعد هزيمة الجماعات المسلحة ميدانيًا.

وتشير دوائر بحثية أمريكية عديدة إلى أن جماعات مثل القاعدة وداعش لم تنشأ في فراغ فكري، بل استفادت من أدبيات الإسلام السياسي التي مهدت لفكرة “المواجهة مع الأنظمة” ورفض الدولة الوطنية الحديثة، حتى وإن كانت هناك خلافات تنظيمية وسياسية بين تلك الجماعات.

لماذا عاد ملف الإخوان إلى الواجهة الأمريكية؟

التحول الحالي يرتبط بعدة عوامل متداخلة، أولها تصاعد المخاوف الغربية من عودة الإرهاب العابر للحدود بعد سنوات من الانكفاء النسبي لتنظيم داعش. فالأجهزة الأمنية الأمريكية ترى أن البيئة الدولية أصبحت أكثر هشاشة مع انتشار الحروب الإقليمية، وتصاعد الاستقطاب الديني والسياسي، واتساع مساحات الفوضى في الشرق الأوسط وأفريقيا.

أما العامل الثاني فيتعلق بحرب غزة وما تبعها من تصاعد نشاط الشبكات الإعلامية والدعائية المرتبطة بحركات الإسلام السياسي، وهو ما أثار نقاشًا داخل المؤسسات الغربية حول تأثير الخطاب التعبوي في إنتاج موجات جديدة من التطرف، خصوصًا عبر المنصات الرقمية.

في الوقت ذاته، تنامت داخل الكونغرس الأمريكي أصوات تدعو إلى إعادة النظر في التعاطي التقليدي مع جماعة الإخوان المسلمين، معتبرة أن الفصل الكامل بين “الإسلام السياسي” و”التطرف العنيف” لم يعد مقنعًا بعد التجارب التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين.

ويرى تيار متزايد داخل الدوائر المحافظة الأمريكية أن الجماعة، حتى عندما تعمل تحت مظلات سياسية أو دعوية، تساهم بصورة غير مباشرة في خلق بيئات فكرية تسمح بانتشار التنظيمات الأكثر تشددًا.

مقاربة جديدة: الإرهاب غير المباشر

أحد أبرز المفاهيم التي بدأت تظهر بقوة في النقاشات الأمنية الغربية هو مفهوم “الإرهاب غير المباشر”، أي النشاطات التي لا تمارس العنف بصورة مباشرة لكنها تخلق مناخًا فكريًا أو إعلاميًا أو ماليًا يساعد على تغذية التطرف.

ضمن هذا الإطار، تركز واشنطن بصورة متزايدة على:

  • شبكات التمويل العابرة للحدود.
  • المؤسسات الإعلامية المرتبطة بخطابات التحريض.
  • المنصات الرقمية التي تروّج لأفكار متشددة.
  • الجمعيات التي يشتبه في استخدامها كواجهات سياسية أو مالية.

ويعكس هذا التحول اقتناعًا متناميًا بأن التنظيمات المسلحة لا تستطيع الاستمرار دون وجود بيئة أوسع توفر لها الشرعية الأيديولوجية أو الغطاء المجتمعي أو الدعم اللوجستي.

كما بدأت الولايات المتحدة بتوسيع أدواتها في مجال العقوبات المالية، وتعزيز التعاون الاستخباراتي مع الحلفاء الأوروبيين والعرب، بهدف مراقبة الشبكات المرتبطة بتمويل التطرف أو تسهيل عمليات التجنيد العابر للحدود.

الإخوان وحماس.. النقطة الأكثر حساسية

أعادت الحرب في غزة العلاقة بين حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين إلى صدارة النقاشات الأمريكية. فالحركة تُعد تاريخيًا امتدادًا فكريًا وتنظيميًا للإخوان، وهو ما جعل الجدل داخل واشنطن يتجاوز الملف الفلسطيني نحو تساؤلات أوسع حول بنية التنظيم الدولي وعلاقاته الإقليمية.

وتتعامل دوائر أمنية غربية مع حماس ليس فقط كتنظيم مسلح، بل كجزء من شبكة أيديولوجية وإعلامية ومالية عابرة للحدود، قادرة على التأثير في بيئات مختلفة خارج الشرق الأوسط.

هذا الأمر دفع إلى تصاعد الدعوات داخل بعض الأوساط السياسية الأمريكية لتوسيع نطاق المراقبة والعقوبات ليشمل كيانات ومؤسسات يشتبه في ارتباطها بالبنية الفكرية أو المالية المرتبطة بحركات الإسلام السياسي.

من الشرق الأوسط إلى أوروبا

التحول الأمريكي لا يحدث بمعزل عن أوروبا، حيث بدأت عدة دول أوروبية خلال السنوات الماضية مراجعة سياساتها تجاه جماعات الإسلام السياسي. ففي France وAustria وGermany تصاعدت التحذيرات الرسمية من ما يسمى “التطرف غير العنيف”، أي الحركات التي تعمل قانونيًا لكنها تُتهم بنشر خطاب انعزالي أو راديكالي.

وقد أدى ذلك إلى تشديد الرقابة على الجمعيات والمنظمات المرتبطة بالإسلام السياسي، خاصة في مجالات التمويل والتعليم والإعلام والعمل المجتمعي.

وتدفع واشنطن حلفاءها نحو مقاربة أكثر تنسيقًا، تقوم على تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الشبكات المالية، وتعزيز التعاون الأمني الرقمي لمواجهة عمليات التجنيد والدعاية الإلكترونية.

الحرب الرقمية الجديدة

أحد أهم أبعاد الاستراتيجية الجديدة يتمثل في الانتقال من مواجهة “الإرهاب الميداني” إلى مواجهة “الإرهاب الرقمي”. فالأجهزة الأمريكية تعتبر أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة مركزية لنشر التطرف، وإعادة تدوير الخطابات الراديكالية، واستقطاب الأفراد عبر أدوات دعائية متطورة.

ولذلك تركز الجهود الحالية على:

  • تعطيل شبكات الدعاية الرقمية.
  • مراقبة الحسابات المرتبطة بالتطرف.
  • ملاحقة التمويل الإلكتروني.
  • تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المتشدد.

وترى واشنطن أن المعركة المقبلة لن تُحسم فقط في الميدان العسكري، بل داخل الفضاء المعلوماتي العالمي، حيث تتداخل الحرب النفسية مع التعبئة الأيديولوجية والتأثير السياسي.

“السلام من خلال القوة”

ضمن العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة، يبرز مجددًا مفهوم “السلام من خلال القوة”، الذي يقوم على أن حماية الأمن القومي الأمريكي تتطلب مواجهة التهديدات قبل تحولها إلى أخطار مباشرة.

ومن هذا المنطلق، تنظر بعض الدوائر داخل واشنطن إلى شبكات الإسلام السياسي باعتبارها تحديًا طويل الأمد، ليس فقط بسبب علاقتها المحتملة بالتطرف، وإنما لقدرتها على العمل داخل المجتمعات الغربية عبر أدوات إعلامية وسياسية ومالية معقدة.

لكن في المقابل، تحرص الإدارة الأمريكية ومؤسسات غربية عديدة على التأكيد بأن مكافحة التطرف لا تستهدف الإسلام كدين، ولا المجتمعات المسلمة، بل التنظيمات والأيديولوجيات التي تُتهم بتوظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية أو عنيفة.

ويُعد هذا التمييز عنصرًا أساسيًا في الخطاب الغربي الحالي، خاصة في ظل المخاوف من تصاعد الإسلاموفوبيا أو استخدام الحرب على الإرهاب كغطاء لاستهداف المسلمين عمومًا.

نحو مرحلة جديدة

الواضح أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة مختلفة في مقاربتها لملف الإرهاب؛ مرحلة لم تعد تركز فقط على “من يحمل السلاح”، بل أيضًا على من ينتج الخطاب، ويموّل الشبكات، ويوفر البيئة الحاضنة للتطرف.

وفي قلب هذا التحول يعود ملف جماعة الإخوان المسلمين إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل دوائر صنع القرار الغربية، بين من يرى الجماعة جزءًا من المشهد السياسي الإسلامي، ومن يعتبرها البوابة الفكرية التي عبرت منها الحركات الجهادية الحديثة.

لكن المعركة المقبلة، كما يبدو، لن تكون عسكرية فقط، بل معركة نفوذ وأفكار وإعلام وشبكات عابرة للحدود، وهو ما يفسر التحول المتسارع في الاستراتيجية الأمريكية من “مكافحة التنظيمات” إلى “تفكيك المنظومات” التي تنتج التطرف العالمي.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى