قصف كتم تحت المجهر.. تحقيق في ملابسات الهجوم ومسؤولية استهداف المدنيين في شمال دارفور
في مساء الثامن من أبريل 2026، تحولت مدينة كتم بولاية شمال دارفور إلى مسرح حادثة دموية أثارت موجة واسعة من الجدل، بعدما استهدفت طائرة مسيّرة حي السلامة، ما أدى إلى مقتل نحو 30 مدنياً، وفق مصادر محلية متطابقة. وبينما تتضارب الروايات حول تفاصيل الهجوم، تبرز الحاجة إلى تحقيق استقصائي معمق يكشف ملابسات ما جرى، ويحدد المسؤوليات في ظل غياب رواية رسمية واضحة.
تشير المعلومات الأولية إلى أن القصف استهدف تجمعاً مدنياً خلال حفل زفاف، وهو ما يفسر العدد المرتفع من الضحايا، خصوصاً في صفوف النساء والأطفال. وبحسب شهادات شهود عيان، فإن الانفجار وقع بشكل مفاجئ، دون أي إنذار مسبق، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في لحظات. هذه الشهادات، التي تم جمعها من مصادر متعددة، تتفق على أن الموقع لم يكن يشهد أي نشاط عسكري ظاهر.
لكن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو: كيف تم تحديد هذا الهدف؟ وهل كان هناك خطأ في المعلومات الاستخباراتية، أم أن الهجوم تم بناءً على تقديرات غير دقيقة؟ في النزاعات المسلحة، تعتمد العمليات الجوية بشكل كبير على المعلومات الاستخباراتية، التي قد تكون عرضة للأخطاء أو التضليل. وفي حال كانت المعلومات غير دقيقة، فإن النتيجة تكون غالباً كارثية، كما حدث في كتم.
مصادر ميدانية أشارت إلى أن المنطقة المستهدفة هي حي سكني معروف، ولا توجد فيه منشآت عسكرية بارزة. كما أن توقيت الهجوم، الذي تزامن مع مناسبة اجتماعية، يثير تساؤلات إضافية حول آليات التحقق من الأهداف قبل تنفيذ الضربات. في مثل هذه الحالات، يفترض أن يتم اتخاذ احتياطات إضافية لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين، وهو ما يبدو أنه لم يحدث.
من ناحية أخرى، تبرز فرضية الخطأ التقني، خاصة مع تزايد استخدام الطائرات المسيّرة في النزاعات الحديثة. هذه الطائرات تعتمد على أنظمة استشعار وتوجيه قد تتأثر بعوامل مختلفة، مثل ضعف الإشارة أو التشويش، ما قد يؤدي إلى انحرافها عن الهدف المحدد. غير أن هذه الفرضية، وإن كانت ممكنة، لا تعفي الجهات المنفذة من المسؤولية، حيث تظل ملزمة بضمان دقة العمليات وتقليل المخاطر على المدنيين.
كما لا يمكن استبعاد احتمال وجود خلل في سلسلة اتخاذ القرار، حيث قد يتم تنفيذ الضربات بناءً على معلومات غير مكتملة أو دون مراجعة كافية. في النزاعات المعقدة، حيث تتداخل المصالح والجهات الفاعلة، تصبح مثل هذه الأخطاء أكثر احتمالاً، خاصة في ظل غياب آليات رقابة فعالة.
وتكشف هذه الحادثة أيضاً عن تحديات كبيرة في توثيق الانتهاكات في مناطق النزاع. فمع صعوبة الوصول إلى المواقع المتضررة، يعتمد الكثير من المعلومات على شهادات السكان ومقاطع الفيديو المتداولة، التي قد تكون عرضة للتشكيك. ومع ذلك، فإن تكرار الروايات وتطابقها من مصادر مختلفة يعزز من مصداقيتها.
في السياق القانوني، يثير هذا الهجوم تساؤلات حول مدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، الذي يفرض على الأطراف المتحاربة التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين. استهداف تجمع مدني خلال مناسبة اجتماعية، إذا ثبت، قد يشكل انتهاكاً خطيراً لهذه القواعد.
منظمات حقوقية دعت إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف، مع التأكيد على ضرورة إشراك جهات دولية لضمان النزاهة. كما شددت على أهمية جمع الأدلة بشكل مهني، بما في ذلك تحليل بقايا الذخائر، وتوثيق مواقع الضربات، والاستماع إلى شهادات الشهود.
في المقابل، يواجه هذا النوع من التحقيقات تحديات كبيرة، منها الوضع الأمني غير المستقر، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، إضافة إلى احتمال عدم تعاون الجهات المعنية. ومع ذلك، فإن غياب التحقيق لا يعني إلا استمرار الإفلات من العقاب، وهو ما يشجع على تكرار مثل هذه الحوادث.
الحادثة تطرح أيضاً تساؤلات أوسع حول استخدام الطائرات المسيّرة في النزاعات، ومدى خضوعها للرقابة. فبينما توفر هذه التكنولوجيا مزايا عسكرية، فإنها تزيد من مخاطر استهداف المدنيين، خاصة في حال عدم وجود ضوابط صارمة.
في النهاية، يبقى ما حدث في كتم مثالاً واضحاً على تعقيدات الحرب الحديثة، حيث تتداخل التكنولوجيا مع العوامل البشرية، ما يزيد من احتمال وقوع أخطاء كارثية. التحقيق في هذه الحادثة لا يهدف فقط إلى تحديد المسؤوليات، بل أيضاً إلى منع تكرارها، وضمان حماية المدنيين في المستقبل.







