صحراء لوب نور.. شاهد صامت على البرنامج النووي الصيني
كشف تقارير وزارة الخارجية الأمريكية حول الحد من التسلح عن أدلة متزايدة على توسيع بكين لترسانتها النووية.
على حافة صحراء شاسعة في شمال غرب الصين، تقع بحيرة ملحية جافة ولا توفر تلك المنطقة أي دعم للحضارة لكنها تعد الموقع الأمثل لإجراء تجارب نووية سرية.
هذه المنطقة، المعروفة باسم “لوب نور” أو “بحيرة لوب، هي المكان الذي تقول الولايات المتحدة إن الصين تجري فيه تجارب نووية سرية.
وتشير التقارير الأمريكية إلى مرحلة جديدة في طموحات الصين للفوز بسباق التسلح النووي العالمي خاصة بعد انتهاء العمل بمعاهدة “نيو ستارت” التي كانت آخر معاهدة بين الولايات المتحدة وروسيا، للحد من انتشار الأسلحة النووية مطلع الشهر الجاري.
وتكشف التقديرات الأمريكية الرسمية أن الصين تسعى إلى توسيع ترسانتها من 600 رأس نووي إلى 1500 رأس بحلول عام 2035 وهو ما يجعلها الطرف الوحيد في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الذي يقوم بتوسيع مخزونه النووي بشكل ملحوظ وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة “تليغراف” البريطانية.
ويرجع جزء من هذا التوسع إلى موجة الإنشاءات التي شهدتها منطقة “لوب نور” في السنوات الأخيرة، بما في ذلك تحسين البنية التحتية للنقل، مما يسهل نقل المواد إلى المنطقة.
وقال ريني بابيارز، خبير الاستخبارات الجغرافية المكانية والمتخصص في برنامج الأسلحة النووية الصيني “بالنسبة لبكين، فإن امتلاك ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية يخدم فكرة التباهي”.
وأضاف أن الأسلحة النووية تمثل “قدرة استراتيجية يجب الاحتفاظ بها لدعم المفاوضات أو لردع القوى الأخرى” وتابع “إنها بمثابة ضمانة لمنع الدول الأخرى من التدخل في حال تعرضها لأي إكراه في مضيق تايوان.. وقد أكدت الحرب على أوكرانيا أهمية ذلك”.
وتتزايد المخاوف بشأن التوسع النووي الصيني منذ عقود، وذلك على الرغم من أن مزاعم التعزيز النووي ظهرت في 2020 ضمن سلسلة من تقارير الحد من التسلح أصدرتها الخارجية الأمريكية.
ورغم التفاصيل الشحيحة التي قدمتها واشنطن آنذاك، كشف بحث بابيارز، المنشور في 2021 عن توسعات واسعة النطاق في “لوب نور”، موقع أولى التجارب النووية الصينية عام 1967.
وشملت الإنشاءات الجديدة نشاطًا مكثفًا لحفارات ضخمة، ومنشأة تحت الأرض كما أظهرت صور الأقمار الصناعية العديد من الأنفاق المحفورة على سفوح التلال أو الجبال لاستخدامها كمداخل لمنشآت تحت الأرض حيث يمكن إجراء تجارب تفجيرية.
وكتب بابيارز في تقريره للخارجية الأمريكية “تشير هذه الملاحظات مجتمعة إلى أن الصين قد تكون بصدد التحضير لتجارب أسلحة نووية مستقبلية، الأمر الذي سيمثل مرحلة جديدة في تحديث وتوسيع ترسانتها النووية”، مشيرا إلى ضرورة إجراء المزيد من التحليلات والدراسات.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، كشفت الإدارة الأمريكية المزيد من التفاصيل حول أنشطة الصين التجريبية، وذلك بعد يوم واحد فقط من انتهاء اتفاقية “نيو ستارت”.
ولاحقا، كشف مسؤولون أمريكيون عن اعتقادهم بأن بكين أجرت تجربة نووية متفجرة في 22 يونيو/حزيران 2020 ودللوا على ذلك بالنشاط الزلزالي الغريب الذي تم تسجيله في كازاخستان المجاورة.
وقال المسؤولون إن الجيش الصيني كان يحضر لمزيد من التجارب التي تصل قوتها إلى مستويات فوق الحرجة تقدر بـ”مئات الأطنان” وأكدوا أن هذا النشاط كان يتم إخفاؤه عمدًا وبمهارة عالية.
ورغم بحث الخبراء عن أدلة فإن صور الأقمار الصناعية التي ركزت على منطقة اختبار الأنفاق في أقصى شرق “لوب نور” والتي حللها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي لم تكن حاسمة، إذ لم يظهر الكثير من النشاط أو التغيير قبل وبعد التجربة المزعومة في يونيو/حزيران 2020.
وحظيت منطقة “النفق 5″، باهتمام خاص نظرًا لأعمال البناء والحفر التي شهدتها في السنوات الأخيرة ومع ذلك، أشار خبراء مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أنه من المحتمل أن تكون الصين قد أجرت تجربة نووية تحت الأرض في منطقة نفق أخرى.
وزعم مسؤولون أمريكيون أن بكين أخفت الانفجار عبر أسلوب “فك الارتباط” أي تفجير جهاز تحت الأرض، مما يقلل من قوة الموجات الصدمية التي تنتشر عبر الصخور المحيطة، وبالتالي يقلل من احتمالية رصد أي نشاط زلزالي.
ومن المهم تحديد ما حدث في 2020 بدقة لأنه قد يشير إلى “انتهاك محتمل لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، التي وقعت عليها الصين لكنها لم تصادق عليها.
يأتي ذلك في الوقت الذي يضغط فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الولايات المتحدة لاستئناف التجارب النووية بعد توقفها عام 1992 كما يسعى لفرض قيود على برنامج الأسلحة النووية الصيني حيث أوضح ترامب أن أي اتفاقية جديدة للأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو يجب أن تشمل بكين.
وإلى جانب “لوب نور”، تمتلك الصين عدة مواقع نووية سرية أخرى، يقع عدد منها في مقاطعة سيتشوان جنوب غرب البلاد.
ورصدت صور الأقمار الصناعية زيادة في أعمال البناء، بما في ذلك المخابئ والمنشآت التي تشير إلى قدرة على إنتاج أسلحة نووية.
وقالت داريا دولزيكوفا، الباحثة الرئيسية المتخصصة في الانتشار النووي والردع “إن تزايد متطلبات الولايات المتحدة لردع كل من الصين وروسيا يثير مخاوف بشأن مدى قدرة المظلة النووية الأمريكية على الصمود”.
في المقابل، نفت الصين بشدة المزاعم الأمريكية بشأن التجارب النووية في 2020، مؤكدة التزامها بسياسة عدم البدء باستخدام الأسلحة النووية.
وفي 2020، لم ينكر فو كونغ، السفير الصيني آنذاك لدى الاتحاد الأوروبي، أن بلاده توسع ترسانتها لكنه قال إن “بكين لن توسع ترسانتها النووية بشكل كبير” واعتبر أن السياسة الصينية رد فعل لمواجهة “التهديدات الأمريكية المتزايدة”.







