سياسة

“شيطنة” روسيا وتضليل “السوشيال ميديا”

ناورز خليل


مع استعار الحرب في أوكرانيا، تدور في الكواليس حرب على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تقل ضراوتها عن المعارك الدائرة على الأرض وفي السماء والبحر، بين الجيشين الروسي والأوكراني، والتي أسفرت عن سقوط عدد كبير من القتلى ونزوح الآلاف.

وترافقت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، بتصاعد نشر المعلومات المضللة على مواقع التواصل، والتي تنوعت بين الفيديوهات المفبركة، والروايات المزيفة، وتضليل الوقائع.

وتزامن ذلك التصعيد مع حملة إعلامية غربية غير مسبوقة ضد روسيا، سعت إلى شيطنتها، وتعبئة الرأي العام ضدها.

وتضمنت الكثير من الفيديوهات والمنشورات والتقارير التي اجتاحت “السوشيال ميديا” معلومات غير صحيحة، الغرض منها إظهار الوجه السيء لروسيا، وتصويرها على أنها لا تكترث بحياة المدنيين، وتواصل قصفها الوحشي المدمر، من أجل توجيه الرأي العام لصالح أوكرانيا.

وردا على هذه الحملات، وجهت الهيئة المنظمة للاتصالات في روسيا، خطابات لمؤسسات إعلامية، واتهمتها بنشر معلومات غير صحيحة عن أحداث أوكرانيا، وخيّرتها بين حذف تلك المعلومات أو حظرها على الإنترنت.

وهددت روسيا، الأسبوع الماضي، بحظر منصة “يوتيوب” كما فعلت مع “إنستغرام”، في حال عدم استجابة “غوغل” لمطلبها برفع الحظر المفروض على قنوات الإذاعة والتلفزة الروسية على منصتها.

وبات الوصول إلى تطبيق “إنستغرام” الذي تملكه شركة “ميتا” الأميركية، متعذرا في روسيا التي تتهمه بنشر دعوات إلى العنف ضد الروس على خلفية النزاع في أوكرانيا.

وفي مطلع شهر مارس، قالت الهيئة المسؤولة عن تنظيم الاتصالات في روسيا، إنها حجبت “فيسبوك” ردا على ما قالت إنها قيود على الدخول إلى وسائل الإعلام الروسية على منصته.

وتتهم روسيا منصات التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”تويتر”، بفرض رقابة توصف بالمشددة على المحتوى الذي يروج وجهة النظر الروسية، أو الأفكار المناوئة للغرب.

إن تعامل “عمالقة السوشيال ميديا” مع الأزمة الأوكرانية، جسّد ازدواجية المعايير لدى هذه المواقع، والتي أوجدت روسيا بدائل لها مثل “فكونتاكتي”، تأكيدا منها على رفضها الخضوع للهيمنة الأميركية على فضاء الإنترنت.

لا يمكننا إنكار دور “التضليل” على وسائل التواصل باعتباره جزء في أي صراع، إذ أنه يرمي لخلق حالة نفسية موجهة لرواد هذه المنصات وخصوصا جيل الشباب، الأمر الذي يفسر الاستعانة حتى بألعاب الفيديو ومقاطع أفلام ومسلسلات، ودمجها بلقطات حقيقية، بحيث تتولد مشاهد باستطاعتها محاكاة الخيال المؤثر على هذه الفئة العمرية تحديدا.

وردا على الدور المضلل لوسائل التواصل، سلطت تقارير ومبادرات الضوء على هذه الظاهرة، فمثلا افتتح تقرير لوكالة “الأسوشيتد برس” الموضوع بعبارة جاء فيها: “تفوق الرسائل والفيديوهات والصور التي يتم تبادلها عبر فيسبوك وتويتر وتلغرام، أعداد الضربات الجوية التي طالت أوكرانيا”.

وأكد التقرير أن “شاشة الهاتف الذكي الصغيرة تمثل أداة الاتصال المهيمنة في هذا النزاع، وهي تحمل في طياتها خطر الانتشار الفوري للمعلومات المضللة الخطيرة، التي تربك الملايين بشأن تطور الأحداث”.

ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” بدورها مقالا بعنوان “وسائل التواصل تغذي ضباب الحرب في الصراع الأوكراني”، أشارت فيه إلى “تسهيل منصات عديدة متابعة تطورات الحرب، إلا أن المشكلة تكمن بكونها عرضة للمعلومات المضللة”.

كذلك بادرت “فرانس برس” للكشف عن المحتوى المضلل عبر نشرها معلومات تتعلق بأصل الفيديوهات والصور التي يجري تداولها خارج سياقها الصحيح، أو كشف حقيقتها في حال كانت مزيفة.
وفي خضم استمرار الصراع بين روسيا وأوكرانيا ليومه الثالث والعشرين، يتبادر لكثيرين السؤال حول كيفية التمييز بين المنشورات الحقيقية وتلك الزائفة؟

علينا بداية أن نتنبه للحيلة الأكثر انتشارا على مواقع التواصل والقائمة على الاستعانة بفيديوهات قديمة، حيث يتم نشر مقطع يتضمن لقطات لما يجري على الأرض فعلا، ومن ثم تدمج به مشاهد قديمة قد تكون لأحداث وقعت في بلد آخر.

إن أفضل طريقة لكشف مثل هذا التضليل، هو البحث عن أدلة كالطقس مثلا والحالة الجوية، وإشارات المرور وعلامات الطرقات، واللغة التي يتحدث بها الأشخاص الظاهرين في الفيديو.

كذلك فبمقدورك أيضا من خلال عمليات البحث العكسي عن الصور والتي توفرها عدد من مواقع الإنترنت، معرفة فيما إذا كان الفيديو أو الصورة نفسها قد تمت مشاركتها عبر الشبكة العنكبوتية من قبل.

ومن المهم فحص ومعرفة الناشر الأول للفيديو أو الصور التي تمت مشاركتها، لتقييم مستوى موثوقيتهم كمصدر، إذ قد يقدم كثيرون على نشر الفيديوهات الحربية التي تحظى بمشاهدة واسعة، من أجل الحصول على أكبر عدد ممكن من حالات الإعجاب.

ويجدر بالمستخدم كيلا يصبح مشاركا في نشر البيانات غير الصحيحة أن يتحقق بنفسه قبل الشروع في مشاركة فيديو أو قصة متعلقة بالنزاع، فصحيح أننا كمستخدمين قد نشعر بالغضب لمشاهدة مستشفى مهدم مثلا، ولكن علينا التريث والتحقق من صحة الفيديو قبل مشاركته.

ويمكن اعتبار خرائط “غوغل” من المصادر المفيدة في عملية التحقق من الفيديوهات، وذلك عبر الاستعانة وإجراء مقارنة ومطابقة بين ما نراه من صور، وما يظهر على الخرائط حاليا.

كما يمكن تقسيم الفيديو لصور وتحميلها على مواقع متخصصة بكشف أصلها وأماكن مشاركتها وتوقيت نشرها، لإجراء المطابقة، مثل Tineye وRevEye وForensically.

وأخيرا تظل المسؤولية الأخلاقية التي على الإعلام ومستخدمي مواقع التواصل التمسك بها في زمن الحرب والسلم، كيلا تتحول الأزمات كما هي الحال مع الحرب الأوكرانية لساحة تتنافس فيها الأدوات التقنية على تأجيج لهيب الصراع بأخبار كاذبة ومعلومات مضللة.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى