تفاؤل في الناتو وانقسام أوروبي حول حرب إيران
نظرة متفائلة يبديها مارك روته الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن إيران، لكن يبدو أنها لا تحظى بتأييد واسع في بروكسل.
وبحسب صحيفة “تليغراف” البريطانية، اعتبر روته أن الولايات المتحدة على دراية تامة بما تفعله في الحرب على إيران، مشيرا إلى وجود دعم واسع النطاق من جميع دول الحلف لضربات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن هذه النظرة المتفائلة لا تحظى بتأييد واسع في بروكسل، مقر “الناتو” والاتحاد الأوروبي، فقد تصاعد التوتر الكامن إلى سجال علني بين ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
كما ظهر خلاف بين ألمانيا وإسبانيا إضافة إلى الرسائل المتضاربة الصادرة من فرنسا، وذلك وفق الصحيفة التي قالت إنه بدلا من أن يمثل التكتل جبهة موحدة انقسم إلى عدة معسكرات.
معارضون
برز بيدرو سانشيز رئيس الوزراء الإسباني، كأبرز معارضي الضربات الأمريكية على إيران، واتهم ترامب باللعب “بمصير الملايين”، ورفض طلبات القوات الأمريكية باستخدام القواعد الإسبانية في غاراتها الجوية، كما أدان الحرب، وأي مبرر لها، باعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي.
وأمس الخميس، رفضت مارغريتا روبلز وزيرة الدفاع الإسبانية قول روته إن حلفاء “الناتو” يؤيدون العمل العسكري، وقالت في مقابلة إذاعية إن مدريد “لا تشاركه الرأي”.
وأدى هذا الموقف إلى توتر العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين مدريد وواشنطن، حيث هدد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت “بقطع جميع العلاقات” مع إسبانيا.
وانضم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المعارضة الإسبانية، واصفًا الحرب الأمريكية بأنها “غير شرعية”، وقال إن الهجمات “انتهاك للقانون الدولي”.
لكن اللافت أن ترامب أشاد بدعم فرنسا “الرائع” لحربه.
من جانبها، أوضحت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن بلادها “ليست في حالة حرب، ولا نرغب في الدخول في حرب”.
مؤيدون
في المقابل، برز المستشار الألماني فردريش ميرتس كأكبر داعم أوروبي لترامب، بل وصل به الأمر إلى التشكيك في أحقية “دولة مارقة كإيران في الحماية بموجب القانون الدولي”.
وقال يوم الأحد “لم تُجدِ المناشدات من أوروبا، بما فيها ألمانيا، والإدانات لانتهاكات إيران للقانون الدولي، وحتى العقوبات الواسعة النطاق، نفعًا على مر السنين والعقود… لذا، ليس هذا هو الوقت المناسب لتوجيه اللوم لشركائنا وحلفائنا”.
والثلاثاء الماضي، جلس ميرتس صامتا بجانب ترامب الذي كان ينتقد إسبانيا وبريطانيا بشدة لرفضهما السماح باستخدام قواعدهما في الصراع.
ويرجع جزء من موقف ميرتس إلى الأيديولوجية الألمانية التي تعتبر دعم إسرائيل واجبًا أساسيًا على الدولة الألمانية ما بعد الحرب.
لكن البعض في بروكسل يرى أنه بالغ في فكرة أن إغضاب البيت الأبيض ليس في مصلحة أوروبا مع إدراكه أهمية أن تحافظ القارة العجوز على دعم ترامب لأوكرانيا في مواجهة روسيا.
وتعتمد ألمانيا بشكل كبير على شراء السيارات الأمريكية، إلا أن صادرات السيارات إلى السوق الأمريكية انخفضت بنسبة 15% في عام 2025 بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية والمنافسة المتزايدة من الصين التي زارها ميرتس الأسبوع الماضي.
ومع ذلك، ورغم تقدير الناس لمنطقه فقد أعربت مصادر في بروكسل عن صدمتها من ميرتس الذي بدا وكأنه يوافق ترامب، خلال هجومه على سانشيز، وأنه لم يتدخل للدفاع عن إسبانيا.
وقال دبلوماسي أوروبي “على ميرتس أن يتراجع عن موقفه هذه المرة، فقد أخطأ بعض الشيء”.
أغلبية صامتة
يسود اعتقاد واسع بأن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع تقديم قيمة مضافة تذكر في استجابته للأزمة، وقال دبلوماسي لـ”تليغراف” إن “الجميع متفقون، وخاصة في الشرق الأوسط، على أننا لا نستطيع فعل الكثير”.
ولم يظهر “الناتو” اهتمامًا يذكر بالصراع خارج حدوده حتى عندما تم اعتراض صاروخ باليستي إيراني كان متجهًا نحو تركيا، حيث ظل الحلف هادئًا.
وأمس الخميس، قال روته لوكالة رويترز إنه لا حاجة لتفعيل المادة 5، وهي بند الدفاع المشترك في الحلف الذي ينص على أن أي هجوم على أحد أعضائه يُعد هجومًا على جميع الأعضاء.
ويجري مسؤولو المفوضية الأوروبية تحليلًا لتأثير الحرب الإيرانية على أوروبا، وأفادت مصادر مطلعة بأن الاتحاد الأوروبي لا يعتمد على إيران في إمدادات النفط.
ونظمت الدول الأوروبية التي لديها مواطنون عالقون في الشرق الأوسط رحلات إجلاء خاصة بها.
كما أرسلت الدول التي لديها قواعد عسكرية في المنطقة قواتها الخاصة، مثل السفن الحربية والطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي، بشكل مستقل عن أي مهمة تابعة للاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو.
وأعلنت إسبانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا أنها سترسل سفنًا حربية وحاملة طائرات للمساعدة في حماية قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، والتي تتولى الرئاسة الدورية للتكتل.
وذكرت “تليغراف” أن قبرص طلبت من الاتحاد الأوروبي تجنب إثارة ضجة إعلامية حول نشر القوات، خوفا من أن إثارة قلق السياح الذين يخططون لقضاء عطلاتهم الصيفية في الجزيرة.
وفي مناقشات عقدت في بروكسل، حذر دبلوماسيون ومسؤولون من أنه مع قلة المخاطر في الشرق الأوسط، فإن الخطر الأكبر يكمن في إحداث شرخ عبر الأطلسي مع ترامب.
ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى إدارة علاقاته بحرص مع الرئيس الأمريكي للحفاظ على تحالفه مع أوكرانيا وتخفيف حدة التوترات التجارية الناجمة عن الرسوم الجمركية.
وقال مصدر دبلوماسي من دولة تدعم نهج الصمت “أنا متشوق لمعرفة ما سيفعله سانشيز الآن، لأنه قد يترك الأمور في وضع أسوأ مما كانت عليه في البداية”.
دول قلقة بشأن روسيا
أصغر فئة في هذا النقاش هي الدول المجاورة لروسيا مثل بولندا ودول البلطيق التي لا تبدي أي اهتمام يُذكر بالشرق الأوسط، وينصب قلقها الأكبر على أن يشتت التركيز المفرط على إيران الانتباه عن موسكو.
وسيلتزم ممثلو هذه الدول في بروكسل الصمت، لكنهم لن يترددوا عن تذكير زملائهم بأن هناك ما هو أهمّ على حدودهم.







