تصعيد خطير.. إيران وأمريكا على أعتاب مواجهة أوسع
تحوّل الصراع في الشرق الأوسط من خطرٍ هامشي في حسابات المستثمرين إلى مصدر قلق رئيسي يضغط على الأسواق العالمية، في ظل مخاوف من صراعٍ على السلطة داخل إيران واحتمال اندلاع حرب طويلة الأمد قد تمتد آثارها إلى التجارة الدولية والتضخم وأسواق المال.
وأدّت الضربات الأميركية والإسرائيلية، وفق تقارير، إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ما أحدث حالة من الارتباك الجيوسياسي انعكست سريعًا على الأسواق. وردّت طهران بقصف مدن خليجية، فيما أوقفت شركات طيران رحلاتها وعلّقت ناقلات النفط عبورها عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
وحذّرت وزارة الخارجية الروسية الأحد من أن إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة قد يتسبب في اختلال واسع بأسواق النفط والغاز العالمية، في وقت تتصاعد فيه التوترات العسكرية في المنطقة وتتعطل حركة الشحن عبر أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.
ويأتي التحذير الروسي بعدما أفادت مصادر تجارية بأن عدداً كبيراً من مالكي ناقلات النفط وشركات الطاقة والتجارة علّقوا شحنات الخام والوقود والغاز الطبيعي المسال عبر المضيق عقب إعلان كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إغلاق الملاحة فيه.
ويمر عبر المضيق نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية، بما يشمل صادرات رئيسية من السعودية والإمارات والعراق والكويت وقطر، إضافة إلى شحنات الغاز المسال، ما يجعل أي توقف في حركة العبور عاملاً ضاغطاً على الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد.
وأكدت موسكو أنها تلقت أنباء مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين “بأسف بالغ”، منددة بما وصفته بالاغتيالات السياسية وملاحقة قادة الدول ذات السيادة، ومعتبرة ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ومبادئ العلاقات بين الدول.
ودعت روسيا إلى خفض التصعيد ووقف القتال والعودة إلى المسار الدبلوماسي، في موقف يعكس قلقاً استراتيجياً، خصوصاً أن طهران تعد شريكاً مهماً لموسكو في ملفات إقليمية. ويرى مراقبون أن غياب رد روسي حاد تجاه سياسات الرئيس دونالد ترامب يشير إلى رغبة الكرملين في تجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن رغم تداعيات التطورات على نفوذه الإقليمي.
وفي موازاة ذلك، أعلن تحالف أوبك+ زيادة متواضعة في إنتاج النفط تبلغ 206 آلاف برميل يومياً اعتباراً من أبريل/نيسان، في محاولة لتهدئة الأسواق بعد الاضطرابات التي أصابت تدفقات الطاقة من الشرق الأوسط، غير أن محللين يرون أن هذه الزيادة التي تقل عن 0.2 بالمئة من الإمدادات العالمية، لن تكون كافية لتعويض أي نقص كبير إذا استمر تعطل الملاحة، خاصة مع محدودية الطاقة الإنتاجية الاحتياطية لدى معظم أعضاء التحالف باستثناء عدد قليل من المنتجين الكبار.
وتشير بيانات السوق إلى أن أسعار خام برنت ارتفعت بالفعل هذا العام ولامست أعلى مستوياتها منذ أشهر، مدفوعة بمخاوف اتساع نطاق الصراع. وقال متعاملون إن الأسعار قفزت في التداولات غير الرسمية الأحد بنسبة تراوحت بين 8 و10 بالمئة لتقترب من 80 دولاراً للبرميل، في مؤشر على حساسية السوق لأي تطورات أمنية في الخليج.
كما أفادت مصادر بأن شحنات النفط والغاز والسلع الأخرى توقفت فعلياً منذ السبت، مع تلقي شركات الملاحة إشعارات بإغلاق المنطقة، فيما رست مئات السفن في الموانئ بانتظار اتضاح الصورة. ويرى محللون أن التأثير الفعلي لأي زيادة إنتاجية سيظل محدوداً طالما استمر تعطّل طرق الشحن، لأن السوق ستتفاعل أساساً مع تدفقات الإمدادات الفعلية لا مع القرارات الاسمية.
ويؤكد خبراء أن استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة قد يدفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، وهو سيناريو تحذر منه عدة عواصم لما قد يحمله من تداعيات تضخمية عالمية. وفي ظل هذا المشهد، تبدو أسواق الطاقة كأنها تسير فوق حبل مشدود بين قرارات المنتجين وتطورات الجغرافيا السياسية، حيث يمكن لحدث واحد في الخليج أن يعيد رسم خريطة الأسعار العالمية خلال ساعات.
ويرى محللون أن الخطر الأول يكمن في الضبابية بشأن مستقبل الحكم في إيران، نظرًا لتعقيد بنية النظام السياسي، وثقل الحرس الثوري الإيراني، وطبيعة القاعدة الأيديولوجية الداعمة له. هذه العوامل تجعل توقّع المسار السياسي والاقتصادي صعبًا، وهو ما يزيد حساسية الأسواق لأي تطورات مفاجئة.
وقال رونج رين جوه، مدير المحافظ في فريق الدخل الثابت لدى إيستسبرينج إنفستمنتس، إن المخاطر المحتملة في الشرق الأوسط ارتفعت بوضوح، موضحًا أن الأسواق قد تعيد تسعير الأصول انطلاقًا من فرضية “صدمة نظام” وليس مجرد رد فعل عسكري محدود، إذا لم تُظهر إيران استعدادًا للتفاوض.
أسعار النفط والتضخم تحت المجهر
وارتفعت أسعار خام برنت بنحو 20 بالمئة منذ بداية العام لتبلغ قرابة 73 دولارًا للبرميل، مع تزايد الطلب على أدوات التحوط مثل الذهب وسندات الخزانة الأميركية. ويعزو محللون جزءًا من هذا الاتجاه إلى التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وإلى سياسات دونالد ترامب الاقتصادية المتقلبة.
وسجل الذهب مستويات قياسية خلال العام الماضي، وواصل الصعود بنحو 22 بالمئة منذ مطلع 2026، في حين لم يحقق مؤشر ستاندرد اند بورز 500 سوى مكاسب محدودة تقارب 0.5 بالمئة، ما يعكس حذر المستثمرين رغم استمرار شهية المخاطرة جزئيًا.
وأشار محللو باركليز إلى أن التاريخ يُظهر ميل المستثمرين إلى بيع علاوة المخاطر الجيوسياسية عند اندلاع النزاعات، لكن القلق الحالي يتمثل في أن الأسواق ربما أصبحت مفرطة في الثقة بقدرتها على احتواء الصدمات، ما قد يؤدي إلى تقليل تقدير سيناريوهات التصعيد الواسع.
وأضافوا أن عوامل أخرى قد تضاعف موجة البيع إذا اتسع نطاق الصراع، مثل هشاشة أسواق الائتمان الخاصة والتساؤلات المتزايدة حول تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي. ونصحوا بعدم التسرع في شراء الأسهم عند أي هبوط فوري، معتبرين أن مستويات المخاطرة مقابل العائد لا تزال غير جذابة، وأن فرص الشراء قد تظهر فقط إذا تراجعت الأسواق بأكثر من 10 بالمئة.
تقلبات مرتقبة وتوقعات متباينة
ومن المتوقع أن تشهد الأسواق العالمية تقلبات ملحوظة خلال الأيام المقبلة. وقال تشارلز مايرز، مؤسس ورئيس سيجنم غلوبال أدفايزرز، إن المستثمرين كانوا يستعدون لضربة محدودة، لكن السيناريو غير المتوقع كان هجومًا واسعًا يستهدف إسقاط النظام.
بدوره، توقّع وليام جاكسون من كابيتال إيكونوميكس أن يؤدي صراع مطول يؤثر في الإمدادات إلى ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، ما قد يضيف بين 0.6 و0.7 نقطة مئوية إلى معدل التضخم العالمي.
لكن طارق دينيسون من جي.إف.إم أسيت مانيجمينت يرى أن الأسواق ربما بالغت أصلًا في تقدير الضغوط التضخمية، متوقعًا أن يكون التأثير الأكبر في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة بسبب اعتمادها النسبي على إمدادات الطاقة المارة عبر الخليج بعد تراجع الواردات الروسية.
وأشار إلى أن الذهب قد يشهد ارتفاعًا محدودًا على المدى القصير، لكنه شدد على أن الأسعار الحالية تعكس بالفعل قدرًا كبيرًا من المخاطر الجيوسياسية، ما قد يحد من أي صعود إضافي قوي.
السندات والملاذات الآمنة
ولفت جوه إلى أن عوائد سندات الخزانة الأميركية تتراجع تدريجيًا، إذ هبط عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى أقل من أربعة بالمئة، لكنه حذر من أن شراءها الآن قد لا يكون صفقة مثالية إذا أدّى ارتفاع النفط إلى زيادة التضخم واستمرار التوتر.
وفي المقابل، يرى بعض المحللين أن قدرة إيران على تعطيل التجارة في الخليج قد تكون محدودة، ما يعني أن تأثير الصراع على أسعار الطاقة ربما يبقى مؤقتًا. وقال إد يارديني، رئيس يارديني ريسيرش، إن الأسواق قد تفاجئ المستثمرين إذا تحولت أي موجة بيع في الأسهم إلى ارتفاعات لاحقة مدفوعة بتوقعات انخفاض أسعار النفط بعد انحسار القتال.
وأضاف أن الذهب قد يشهد تقلبات حادة في بداية التداول، بينما قد تنخفض عوائد السندات نتيجة زيادة الطلب على الأصول الآمنة وتوقعات تراجع أسعار الطاقة لاحقًا.
في المحصلة، تقف الأسواق العالمية عند مفترق طرق حساس، إذ يتوقف اتجاهها القادم على مسار الأحداث السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، فبين سيناريو التصعيد الممتد وسيناريو الاحتواء السريع، يبقى المستثمرون في حالة ترقب حذر، بينما تتحرك الأسعار كرقّاص ساعة يتأرجح بين الخوف والأمل.







