سياسة

تصاعد الانقسام داخل إيران بشأن مسار المفاوضات


حركت 3 أسابيع من وقف إطلاق النار، الانقسامات العميقة داخل النظام الإيراني، ومنحتها حيزا لتطفو على السطح، وتضع البلاد بموقف حرج.

وتشعل هذه الانقسامات نقاشاً محتدماً حول المسار الذي ينبغي لطهران أن تسلكه في أخطر منعطف تواجهه منذ عقود.

وبحسب صحيفة “فينانشيال تايمز” البريطانية، يكمن جوهر الصدع، الذي تجلى في أروقة البرلمان وعلى شاشات الإعلام الرسمي، في الحملة التي يشنها أكثر السياسيين تشدداً لإجهاض أي مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي.

وفي قلب العاصفة، يقف محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان المخضرم الذي قاد بنفسه جولة المحادثات الأولى مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في باكستان مطلع الشهر الجاري.

لكن سياسيين مرتبطين بجماعة “بايداري”، الفصيل المتشدد الأكثر نفوذاً، يستهدفون قاليباف بشكل مباشر، ملمّحين إلى أن فريق التفاوض لم يلتزم حرفياً بتوجيهات المرشد الجديد، مجتبى خامنئي.

الانتقادات لم تكن خافتة أو مواربة؛ فقد صرّح محمود نبويان، عضو البرلمان المقرب من جماعة “بايداري” والذي رافق الوفد الإيراني إلى باكستان، بأن “المفاوضات الآن لا تعدو كونها ضرراً محضاً، ولا ينبغي لأحد أن يلجأ إليها”، وفق الصحيفة البريطانية.

ووصف إدراج الملف النووي في جدول المحادثات بأنه “خطأ استراتيجي”، مشيراً ضمناً إلى أن ذلك لا يعكس ما يصبو إليه المرشد.

وفي تصعيد لافت، زعم النائب المتشدد علي خزريان، عبر شاشة التلفزيون الرسمي، أن خامنئي نفسه يعارض استمرار هذه المفاوضات.

وجاء الرد سريعاً من معسكر قاليباف، حيث أصدر 261 نائباً من أصل 290 بياناً رسمياً يؤيدون فيه رئيس البرلمان وبقية أعضاء الفريق التفاوضي. لكن اللافت كان تغيّب شخصيات بارزة من “بايداري” عن قائمة الموقعين، ما كشف عن شرخ لا يمكن التعتيم عليه ببيانات التضامن.

ومما يزيد المشهد ضبابية أن المرشد الجديد، وعلى الرغم من إصداره بياناً يؤيد خوض المحادثات، ظل غائباً تماماً عن الأنظار منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي.

وتردّد أن هذا الغياب القسري ناجم عن إصابات لحقت به خلال الغارات ذاتها التي أودت بحياة والده، المرشد السابق علي خامنئي، الذي قضى قرابة أربعة عقود يدير الصراعات الداخلية ويحتوي انفجاراتها.

وقد ترك رحيل الأب فراغاً هائلاً في هندسة التوازنات، تاركاً جيلاً جديداً من القادة أمام أعمق أزمة تختبرها إيران.

ولم تتأخر وكالة “نور نيوز”، الناطقة بلسان المؤسسات الأمنية، في بث رسالة تحذير بالغة الدلالة، معتبرة أن إيران “ربما تمر بأكثر مراحل تاريخها حساسية”، وشددت على “الضرورة الملحة لتوحيد الصوت”.

لكن دعوات الوحدة هذه اصطدمت بواقع أكثر قتامة، تجسّد في انهيار الجولة الثانية من المفاوضات التي كانت مرتقبة في باكستان نهاية الأسبوع، بعد إصرار طهران على رفع الحصار البحري كشرط مسبق لاستئناف أي حديث.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الغياب العلني للمرشد، معلناً إلغاء زيارة المفاوضين الأمريكيين، ومطلقاً تصريحات لاذعة عن “صراعات داخلية وارتباك شديدين داخل قيادة إيران”، وقال “لا أحد يعلم من يمسك بزمام الأمور، حتى هم أنفسهم”.

في المقابل، سارع أركان النظام الإيراني إلى تقديم جبهة موحدة في العلن، مطلقين رسائل متطابقة تقريباً. غير أن هذه الصورة المصمّتة لا تصمد أمام قراءة أعمق للتاريخ السياسي الإيراني، إذ طالما تألف النظام من فصائل متنافسة تجاهر بعدائها علناً.

فالمتشددون أيديولوجياً، يعتبرون التفاوض مع واشنطن خطيئة استراتيجية، بينما يرى الإصلاحيون أن الانخراط مع الغرب هو الطريق الوحيد لتخفيف العقوبات الخانقة ودعم أركان النظام المتصدعة.

ويقرأ محللون في تشكيلة الوفد الإيراني الضخمة إلى الجولة الأولى من المحادثات، والتي ضمت نحو 70 مشاركاً بينهم مسؤولون دفاعيون كبار، محاولة لاحتواء جميع مراكز القوى.

وبينما تسعى القيادة لترميم واجهة التماسك، يتنامى قلق عميق في الشارع الإيراني من عودة الصراع المفتوح مع واشنطن وتل أبيب في حال تعثرت المفاوضات، وتتجه أصابع الاتهام صوب المتشددين.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى