العراق وكردستان بين التوافق والاختلاف.. العقدتان تنتظران الحل
تشهد الساحة السياسية في إقليم كردستان حالة من التعثر بعد تأخر تشكيل حكومة الاقليم الجديدة، فيما يواصل الحزب الديمقراطي الكردستاني جهوده لحل العقدة المتعلقة برئاسة الحكومة واتفاقه مع الاتحاد الوطني الكردستاني على مرشح رئاسة الجمهورية.
وأكد رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، في كلمة له على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، أن الحزب الديمقراطي الكردستاني لم ينجز اتفاقاً نهائياً مع الاتحاد الوطني لحسم رئاسة الجمهورية وحكومة الإقليم، لكنه اعتبر اللقاءات الأخيرة بين الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني وبافل طالباني “إيجابية وناجحة جداً”، مشيراً إلى أن الأطراف تسير على المسار الصحيح بما يخدم مصالح الإقليم والعراق.
ويأتي ذلك في ظل إطار دستوري صارم، ينص على انتخاب رئيس الجمهورية خلال مدة 30 يوماً من انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب، وهو ما يعني انتهاء المهلة الدستورية ليلة 28 يناير/كانون الثاني بعد أن عقدت الجلسة الأولى في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025.
وفي خطوة ملموسة نحو الحلحلة، أعلنت النائبة عن كتلة الاتحاد الوطني، أحلام رمضان، عن اتفاق الحزبين على ترشيح نزار آميدي لمنصب رئيس الجمهورية، مع بقاء حسم مرشح رئاسة الوزراء مرتبطا بالبيت الشيعي، ما يعكس حرص الكرد على ترتيب أولويات التوافق السياسي ضمن الإطار الاتحادي، لكن لم يصدر عن الحزبين الكرديين ما يؤكد أو ينفي ما أعلنته النائبة أحلام رمضان.
وعلى خلفية الاجتماعات المكثفة التي جرت في أربيل بين قيادات الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، أكد المتحدث باسم الاتحاد الوطني الكردستاني، كاروان كزنيي، أن لقاء مسعود بارزاني وبافل طالباني ناقش مجمل المستجدات السياسية في العراق والإقليم، وكان الجو العام إيجابياً، رغم عدم التوصل إلى اتفاق نهائي حول الملفات العالقة. وكان هذا الاجتماع جزءاً من سلسلة تحركات تهدف إلى تخفيف الاحتقان السياسي، وإيجاد أرضية مشتركة قبل جلسات البرلمان المقبلة، المقررة يوم الثلاثاء.
وفي إطار هذا الجهد، حرص نيجيرفان بارزاني على إبراز موقف الإقليم على الساحة الدولية خلال مؤتمر ميونخ للأمن 2026، متنقلاً بين اجتماعات رسمية وغير رسمية لتعزيز حضور كردستان في ملف الاستقرار الإقليمي. وقد حاول بارزاني تثبيت موقع الإقليم عبر رسائل متكررة تؤكد على ثلاثة مفاهيم متلازمة: أن إقليم كردستان شريك استقرار، وأن حقوق الكرد يجب أن تُدرج ضمن الإطار الدستوري، وأن سوريا موحدة، باعتبار استقرارها جزءاً من استقرار العراق والإقليم.
وفي السياق السوري، برز موقف بارزاني من خلال لقائه مع قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، حيث شدد بيان رئاسة الإقليم على ضرورة حل سياسي شامل يضمن حقوق الكرد وجميع المكونات ضمن سوريا موحدة ودستورها المستقبلي. وقد جسدت هذه المواقف محاولة لتحقيق توازن دقيق: لا انفصال معلن ولا فرض سلطة مركزية بدون ضمانات، في إطار سياسة تؤكد على الحقوق الدستورية ضمن الدولة الواحدة.
على الصعيد الدولي، اجتمع بارزاني مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وأليسون هوكر وكيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية، حيث أشادت هوكر بدور بارزاني في الاتفاق بين دمشق وقسد، مؤكدة التزام واشنطن بدعم العراق والإقليم، والمساعدة في حل القضايا بين أربيل وبغداد.
وقد حولت هذه الاجتماعات نيجيرفان بارزاني إلى “قناة” أساسية في الملف السوري، وفي الوقت ذاته ربطت هذا الدور بالقضايا الداخلية للإقليم والعراق، ما يعكس استراتيجية مزدوجة: تعزيز مكانة كوردستان دولياً مع الحفاظ على قدرة التأثير محلياً.
ورغم كل هذه التحركات، يبقى التحدي الأكبر أمام الحزب الديمقراطي الكردستاني هو إيجاد صيغة توافقية مع الاتحاد الوطني لتشكيل الحكومة العاشرة للإقليم، بعد الانتخابات التي جرت في 20 أكتوبر/تشرين الأول، حيث فشل الحزبان الرئيسيان حتى الآن في التوصل إلى اتفاق. وفي هذا السياق، تعد اللقاءات الثنائية المستمرة والتواصل المستمر بين الزعيمين مسعود بارزاني وبافل طالباني جزءاً من مسعى أوسع لحماية استقرار الإقليم وضمان حقوق الكرد ضمن إطار العراق الاتحادي.
وتوضح جهود الحزب الديمقراطي الكردستاني حرصه على لعب دور الوسيط والمُحرّك في الأزمة السياسية، محاولاً تجاوز الانسداد الحكومي من خلال توافق داخلي كردي أولاً، ثم عبر تثبيت علاقات استراتيجية مع بغداد والشركاء الدوليين.
وفي ظل هذا المسار، يظل التركيز على الحقوق الدستورية ومرونة التعامل مع الشركاء المحليين والدوليين محور عمل الحزب، سعياً لتأمين استقرار الإقليم وموقع الكرد داخل المعادلة العراقية، دون المساس بحقوقهم الأساسية أو تجاوز الحدود الدستورية.







