تحقيقات

الطائرات المسيرة المصرية ومخاطر التصعيد الصامت في الحرب الأهلية السودانية


في الحروب الحديثة، لا يبدأ التصعيد دائمًا بإطلاق النار، بل أحيانًا بطائرة مسيرة تحلق بصمت. هذا الصمت، الذي يبدو تقنيًا ومحايدًا، قد يكون في الواقع أخطر من الضجيج، لأنه يغيّر قواعد اللعبة دون إعلان رسمي. ومن هذا المنطلق، فإن نشر مصر للطائرات المسيرة على الحدود مع السودان لا يمكن قراءته فقط كإجراء أمني وقائي، بل كخطوة تحمل في طياتها احتمالات تصعيد واسعة، قد تتجاوز النوايا المعلنة بكثير.

ظاهريًا، يبدو القرار المصري منطقيًا: دولة تحمي حدودها في ظل حرب أهلية مشتعلة في دولة مجاورة. لكن في الواقع السوداني المعقد، حيث تختلط الجبهات وتتشابك الولاءات، لا توجد خطوة “محايدة” بالكامل. فمجرد وجود طائرات مسيرة في سماء منطقة نزاع يخلق واقعًا جديدًا، ويعيد تشكيل سلوك الفاعلين على الأرض، ليس بالضرورة في الاتجاه الذي تريده الجهة التي نشرتها.

أولى مخاطر هذا التحرك تكمن في سوء التقدير. الفصائل المسلحة السودانية لا تنظر إلى السماء باعتبارها مساحة تقنية، بل كساحة صراع. ومع غياب الشفافية حول طبيعة مهام الطائرات المسيرة، وحدود استخدامها، يصبح من السهل تفسير أي تحليق على أنه عمل عدائي أو تمهيد لتدخل مباشر. وفي بيئة مشحونة أصلًا بالشك والعداء، قد يكون هذا التفسير كافيًا لإشعال مواجهة غير محسوبة.

الخطر الثاني يتمثل في ما يمكن تسميته “تدويل الصراع بصيغة تقنية”. فحين تستخدم دولة إقليمية أدوات عسكرية متقدمة لمراقبة نزاع داخلي في دولة أخرى، فإنها تفتح الباب أمام أطراف إقليمية ودولية أخرى للرد بالمثل. وهكذا، يتحول السودان تدريجيًا من ساحة حرب أهلية إلى مختبر مفتوح لتقنيات المراقبة والتدخل غير المباشر، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.

هناك أيضًا كلفة سياسية لا يمكن تجاهلها. فحتى لو أكدت مصر أن الطائرات المسيرة مخصصة فقط لحماية حدودها، فإن صورتها كطرف “مراقب” قد تتآكل تدريجيًا. ومع كل تطور ميداني، ستُطرح الأسئلة: لمن تُرسل المعلومات؟ ومن يستفيد منها؟ وهل يمكن فصل المراقبة عن التأثير؟ هذه الأسئلة، حتى لو لم تجد إجابات رسمية، كافية لتغذية خطاب معادٍ لأي دور مصري في الأزمة السودانية.

أما الكلفة الإنسانية، فهي الأخطر والأكثر تجاهلًا. فالحدود ليست فراغًا جغرافيًا، بل مناطق يعيش فيها آلاف المدنيين، من رعاة ومزارعين وقبائل عابرة للحدود. وجود الطائرات المسيرة فوق هذه المناطق يخلق شعورًا دائمًا بالخوف، ويزيد من احتمالات النزوح، خاصة إذا اعتقدت الفصائل المسلحة أن القرى الحدودية أصبحت نقاط رصد أو اشتباه. وفي تجارب نزاعات أخرى، غالبًا ما كان المدنيون هم الضحايا غير المباشرين لحروب “المراقبة الذكية”.

ثم هناك خطر الانزلاق التدريجي. ما يبدأ بالمراقبة قد ينتهي بالاستهداف، حتى لو لم يكن ذلك مخططًا له في البداية. فكل حادثة حدودية، وكل اختراق، وكل اشتباك صغير، قد يدفع نحو توسيع نطاق استخدام الطائرات المسيرة، تحت ضغط “الردع” أو “الوقاية”. وهنا، تتحول الأداة الدفاعية إلى عنصر فاعل في النزاع، شئنا أم أبينا.

من زاوية أوسع، يعكس هذا التحرك مأزقًا إقليميًا أعمق: الاعتماد على الحلول الأمنية السريعة بدل الاستثمار في حلول سياسية طويلة الأمد. فالطائرات المسيرة قد تضبط الحدود مؤقتًا، لكنها لا توقف الحرب، ولا تعالج أسبابها، ولا تمنع انتقال عدواها بطرق أخرى. بل قد تؤدي، paradoxically، إلى تثبيت حالة “اللا حرب واللا سلم”، حيث يستمر النزاع تحت سقف معين دون أفق للحل.

في النهاية، لا يمكن إنكار حق أي دولة في حماية أمنها القومي، لكن السؤال الحقيقي هو: بأي ثمن؟ وفي حالة السودان، يبدو أن ثمن أي تصعيد جديد—حتى لو كان تقنيًا وهادئًا—سيكون باهظًا. ليس فقط على السودان، بل على المنطقة بأكملها، التي لم تعد تحتمل نزاعًا إضافيًا يُدار من السماء بينما تتآكل الأرض تحت أقدام المدنيين.

الطائرات المسيرة قد ترى كل شيء من الأعلى، لكنها لا ترى التعقيدات الإنسانية والسياسية على الأرض. وهذا، تحديدًا، ما يجعل الاعتماد عليها في نزاع مثل السودان خطوة محفوفة بالمخاطر.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى