الحزن الذي لا ينتهي.. كيف يعيد دماغك تشكيل نفسه؟
بالنسبة لغالبية البشر، يعد الحزن موجات من الألم تذوب تدريجيًا مع مرور الوقت، لكن بالنسبة لقرابة 4% من الأشخاص، يتحول الفقد إلى حالة مزمنة ومعطلة للحياة تُعرف باسم “اضطراب الحزن الممتد” (PGD).
هذا الاضطراب، الذي أُضيف رسميًا إلى الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM-5) في عام 2022، يصف حالة يظل فيها الشخص “عالقًا” في حزنه لأكثر من عام، حيث يظل الفقد حادًا ومستمرًا لدرجة تمنع المصاب من التكيف مع واقعه الجديد.
ووفقًا لـ”ناشونال جيوغرافيك” تشير مراجعة بحثية حديثة نُشرت في عام 2026 في دورية Trends in Neurosciences إلى أن هذا الاضطراب ليس مجرد حزن شديد، بل هو خلل في أنظمة الدماغ المسؤولة عن الارتباط والمكافأة.
ويوضح الباحثون أن أدمغة المصابين بهذا الاضطراب تظل ترسل إشارات تفيد بأن الشخص المفقود لا يزال “متاحًا” أو متوقعًا، ما يخلق تضاربًا حادًا بين الذاكرة والواقع.
وبينما يبدأ الدماغ الطبيعي بتحديث “خريطة الارتباط” لديه لتقبل الغياب، تظل مناطق المكافأة في دماغ المصاب باضطراب الحزن الممتد في حالة تأهب قصوى، وكأنها تنتظر عودة المفقود في أي لحظة، وهو ما يفسر حالة الشوق الدائم التي لا تنطفئ.
تأثير جسدي
ولا تتوقف آثار هذا الاضطراب عند الجانب النفسي، بل تمتد لتشمل مخاطر جسدية جسيمة نتيجة بقاء الجسم في حالة استجابة دائمة للإجهاد.
ويؤكد الخبراء أن الارتفاع المزمن في هرمونات التوتر مثل الكورتيزول يؤدي بمرور الوقت إلى إجهاد القلب والأوعية الدموية واضطراب جهاز المناعة، ما يفسر ارتباط هذا الاضطراب بارتفاع ضغط الدم وزيادة مخاطر الوفاة خلال عقد من الزمان بعد الفقد.
كما قد يؤدي الحزن المستمر إلى التهابات مزمنة منخفضة الدرجة، وهي حالة ترتبط بأمراض التمثيل الغذائي واضطرابات الجهاز الهضمي.
ما الحل؟
وفيما يخص العلاج، يشير الأطباء إلى أن مضادات الاكتئاب التقليدية غالبًا ما تفشل في معالجة هذا الاضطراب لأنه يختلف في طبيعته البيولوجية عن الاكتئاب السريري.
ويعد “علاج الحزن الممتد” المعتمد على 16 جلسة هو الوسيلة الأكثر فاعلية، حيث يركز على مساعدة المريض على تقبل حقيقة الفقد واستعادة القدرة على التطلع إلى المستقبل وتقوية الروابط الاجتماعية الأخرى.
وأظهرت الأبحاث أن نحو 70% من المرضى يشهدون تحسنًا ملحوظًا بعد الخضوع لهذا البرنامج المتخصص، ما يفتح باب الأمل أمام أولئك الذين يعانون من تجربة فقد “لا تنحني” أمام مرور الزمن.







