الجنوب اليمني بين النفوذ السعودي واستحقاقات الاستقرار
واصلت الأحداث في الجنوب اليمني تطورها بوتيرة متسارعة خلال الأشهر الأخيرة، حيث برز بشكل جلي أن الساحة هناك لم تعد مجرد امتداد للنزاع العام في اليمن، بل أصبحت محور صراع تحكمه قواعد لعب جديدة، تتداخل فيها القرارات الإقليمية مع التحولات الميدانية بشكل يعيد تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في المنطقة. وفي قلب هذه الدينامية يتصدر الدور السعودي المشهد بوضوح، لكن فهمه يتطلب نظرة أوسع خارج نطاق التصريحات الرسمية ليشمل واقع التحركات في الميدان وتداعياتها على الأرض.
منذ بداية العام الحالي، أظهرت الساحة الجنوبية مؤشرات واضحة على تغير في موازين القوى ومسار التدخل السعودي. فالقرار الذي اتخذته المملكة بدعوة فصائل جنوبية إلى الحوار في الرياض لم يكن مجرد مبادرة دبلوماسية تقليدية، بل خطوة تعكس إدراكًا جديدًا بضرورة إدارة الأزمة سياسياً وأمنياً بدل التعامل معها كجزء من قضية الحرب الأكبر في اليمن. وقد جاءت هذه الدعوة في ظل توترات عميقة ترافقت مع محاولات المجلس الانتقالي الجنوبي توسيع نفوذه في محافظات استراتيجية مثل حضرموت والمهرة، وهو ما أثار مخاوف في الرياض من تحول الجنوب إلى نموذج سياسي مستقّل، قادر على فرض أجنداته الذاتية بعيداً عن اعتماد خارجي يرتبط بالتحالف أو الدعم المعلن.
في تحليل للتصريحات السعودية والأحداث الميدانية يتبين أن الرياض تحاول ضبط الإيقاع العام في الجنوب، لكن ذلك يتم عبر أدوات غير متجانسة. فبينما تدعو إلى الحوار السياسي وتدعم الحوار المؤسساتي، تقوم في الوقت نفسه بضربات جوية تستهدف مواقع ومعدات يصفها التحالف بأنها تشكل تهديدًا للأمن الإقليمي، حسبما ذكرت البيانات العسكرية التي صدرت خلال ديسمبر 2025. وقد جاءت هذه الضربات في سياق رصد وصول شحنات سلاح غير مُعلنة إلى مناطق الانتقالي، وهو ما يعتبره التحالف تجاوزًا للاتفاقات غير المعلنة بشأن ضبط السلاح وانتشار القوات في الجنوب. هذا التناقض بين الدعوة السياسية من جهة والتصعيد العسكري من جهة أخرى بدا واضحاً في الخطاب السعودي، ما أربك الحسابات المحلية وأثار شكوكاً حول ما إذا كان الهدف هو الاستقرار أو إدارة النفوذ.
في الوقت نفسه، أدخلت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية تغييرات على هيكلها العسكري والإداري، أبرزها إعادة تسمية عدد من القيادات الأمنية واستبدالها بشخصيات مدعومة من التحالف، في محاولة لإعادة توجيه المسار الأمني والسياسي في الجنوب ضمن إطار موحَّد يخدم “الشرعية”، بحسب شعارها الرسمي. لكن هذه الخطوة أثارت بدورها ردود فعل متباينة محلياً، حيث رأى بعضهم أنها خطوة ضرورية لإعادة فرض سلطة الدولة، بينما اعتبرها آخرون محاولة لخلق محاور موازية للنفوذ المحلي خارج المنظومة الاجتماعية التقليدية.
ولا يمكن فصل ما يحدث عن التغيّرات الأوسع في التحالفات الإقليمية. ففي أواخر 2025، أعلنت الإمارات انسحاب قواتها الرسمية من ساحة اليمن، بما في ذلك الدعم الذي كانت تقدمه للمجلس الانتقالي الجنوبي، وهو انسحاب ترك فراغًا استراتيجياً في الجنوب مثل فرصة من جهة، وتحديًا من جهة أخرى، لأن الرياض وجدت نفسها أمام مسؤولية أكبر لإعادة إدارة الملف. وقد انعكس هذا التحول بشكل مباشر في معالم تدفق القوى المحلية، إذ حاول المجلس الانتقالي استثمار هذا الفراغ لتوسيع نطاق نفوذه، ما عزز وجوده في مناطق استراتيجية، لكنه في الوقت نفسه وضعه في مواجهة مباشرة مع مخاوف الرياض بشأن توازن النفوذ في الجنوب.
وتعكس ردود الفعل الحكومية تجاه هذه التطورات مستوى انقسام داخليًا بين القوى السياسية في اليمن. فرغم أن الحكومة اليمنية والمدعومة من السعودية أكدت دعمها للخطوات التي اتخذتها الرياض، فإنها واجهت انتقادات من بعض القوى السياسية المحلية التي اعتبرت هذه التدخلات مؤشراً على غياب رؤية وطنية موحدة، وأن هذه السياسات تفضي إلى إضعاف الفاعلين المحليين بدل تمكينهم. كما أن التظاهرات التي خرجت في عدن ومدن أخرى جنوبية، والتي رفع المتظاهرون خلالها شعارات تُطالب بحق تقرير المصير ورفض التدخلات الخارجية، أظهرت بوضوح أن هناك شعورًا متصاعدًا لدى قطاعات واسعة من السكان بأن الحلول المفروضة من الخارج لا تعكس أولوياتهم أو تطلعاتهم.
كان هناك أيضًا تباطؤ في تنفيذ مشاريع التنمية المرتبطة بالوديعة السعودية، والتي أعلن عنها في وقت سابق لتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية. هذا التباطؤ أضاف بُعدًا جديدًا للأزمة، إذ بدا أن التمويل والسياسات المرافقة له مرتبطان بشروط سياسية أو أمنية، مما عزز الانتقادات المحلية بأن التنمية تُستخدم كأداة سياسة قبل أن تكون استجابة لحاجات جماهيرية. في هذا السياق، فإن تباطؤ تنفيذ المشاريع أسهم في زيادة الضغط على السكان، في وقت كانوا ينتظرون تحسنًا ملموسًا في مستوى الخدمات والأمن المعيشي، وهو ما فاقم الشعور بالإحباط تجاه التدخلات الخارجية.
من جهة أخرى، أظهرت هجمات متفرقة استهدافًا لمناطق ومقار لقوات موالية للحكومة اليمنية المدعومة من التحالف، وكلّفت الأرواح وخلقت توترات إضافية تضاف إلى المشهد الأمني الهش. فحادث الهجوم بسيارة مفخخة في عدن، الذي استهدف قائدًا بارزًا في تلك القوات، لم يكن حدثًا معزولًا، بل تزامن مع موجة من الهجمات الصغيرة والمتوسطة التي تُظهر أن الفضاء الأمني لا يزال عرضة للاستغلال من قبل جماعات مسلحة أو خلايا متشددة تستفيد من التوترات السياسية لفرض وجودها. هذه الهجمات، وإن لم تكن واسعة النطاق، تُعد مؤشرًا على هشاشة الوضع الأمني، وتُظهر أن الحلول القائمة على الترتيبات العسكرية وحدها غير كافية لتحقيق الاستقرار.
في هذا الإطار، يبرز السؤال المحوري حول ما إذا كانت السياسات السعودية الحالية قادرة على إدارة الأزمة على المدى الطويل، أم أنها تقتصر على منع الانهيار الكامل وتأجيل الصدام الشامل؟ فحتى الآن، لم تظهر مقاربة استراتيجية شاملة تجمع بين المعالجة السياسية للأزمة واحترام إرادة الشعب الجنوبي وبين إدارة التهديدات الأمنية الفعلية. وهذا النقص في الرؤية الأوسع يجعل الجنوب يعيش حالة من الإرباك والقلق، حيث يُنظر إلى كل خطوة باعتبارها جزءًا من لعبة نفوذ لا من مشروع استقرار دائري.
المشهد أيضًا يُظهر أن التدخلات الخارجية، رغم اختلاف أجنحتها، لا يمكن فهمها بمعزل عن الحسابات الإقليمية الكبرى. فالأدوار التي لعبتها دول كبرى كالإمارات والولايات المتحدة في توجيه المواقف أو دعم المحادثات السياسية، تعكس أن الجنوب اليمني اليوم ليس فقط محط اهتمام إقليمي، بل أصبح عنصرًا في معادلات توازن إقليمي أكبر، تشمل مصالح الطاقة والملاحة والأمن البحري والسياسات الجيوسياسية في المنطقة. وهذا السياق يجعل أي قرار أو تحرك في الجنوب يتجاوز أبعاده المحلية ليؤثر في ديناميكية صراع أوسع يمتد من خليج عدن إلى مضيق باب المندب.
في النهاية، تبدو الأزمة في الجنوب اليمني معقدة أكثر مما تُظهره البيانات الرسمية أو التصريحات الإعلامية. فبين التحولات الميدانية وازدواجية الخطاب السعودي، وبين التفاعلات المحلية المتباينة، ينبثق واقع جديد يتطلب مقاربة مختلفة عن تلك التي تُدار وفق توازنات قصيرة الأمد. وإذا كان التدخل السعودي يسعى إلى إدارة الأزمات ومنع الانهيار الكامل، فإنه في الوقت نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة استراتيجيته بشكل يضع سيادة المجتمع المحلي وأولوياته في قلب المعادلة، بدل أن يبقى الجنوب ساحة تُدار فيها الوقائع وفق منطق النفوذ وحده.







