التيار الإسلامي داخل الجيش السوداني.. دعوات دعم إيران تعيد شبح العزلة الدولية
حذّر مراقبون وخبراء سياسيون من أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن قيادات في تنظيم الإخوان في السودان، والتي دعت إلى دعم إيران والاستعداد لإرسال مقاتلين للدفاع عنها، قد تعيد السودان إلى مربع العزلة الدولية الذي عاشه لسنوات طويلة بسبب ارتباطه بدعم جماعات متطرفة. ويأتي هذا التحذير في وقت تعيش فيه البلاد حرباً داخلية مدمرة منذ أبريل/نيسان 2023، وسط مخاوف من أن يؤدي انخراط أطراف سودانية في صراعات إقليمية إلى تعقيد الأزمة الداخلية وإضعاف فرص التسوية السياسية.
وأثارت تسجيلات مصورة وتصريحات علنية لقيادات إسلامية سودانية موجة واسعة من الانتقادات، بعدما أعلنت صراحة تضامنها مع إيران في مواجهة الضربات الأميركية والإسرائيلية، بل وذهبت أبعد من ذلك بالإعلان عن استعدادها لإرسال مقاتلين من الكتائب المتحالفة مع الجيش السوداني إلى طهران في حال تطور الصراع إلى تدخل بري.
وجاءت هذه الدعوات في مقاطع فيديو وتسجيلات صوتية نشرت بعد ساعات من بدء العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، حيث دعت شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي إلى الاصطفاف إلى جانب طهران. وشارك في هذه الحملة عدد من القيادات الإخوانية، من بينهم الناجي عبد الله وياسر عبيدالله وقائد كتيبة “الفرقان” يوسف عالم إضافة إلى الناجي مصطفى، حيث تحدثوا عن استعداد كتائبهم المتحالفة مع الجيش السوداني لمواجهة أي إنزال بري أميركي أو إسرائيلي داخل إيران.
وتأتي هذه التصريحات في سياق تصاعد الخطاب الأيديولوجي داخل التيار الإسلامي المرتبط بالمؤسسة العسكرية في السودان، وهو تيار يمتلك نفوذاً واسعاً داخل الجيش منذ عقود. ويرى مراقبون أن هذا النفوذ يعود إلى مرحلة حكم الرئيس الأسبق عمر البشير، عندما تمكنت الحركة الإسلامية من ترسيخ وجودها داخل أجهزة الدولة والجيش عبر ما عرف بسياسات “التمكين”، التي منحت كوادر التنظيم مواقع مؤثرة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.
تجربة العزلة الدولية
ويربط محللون بين هذه التصريحات وبين تجربة السودان في تسعينيات القرن الماضي، حين أدت السياسات الأيديولوجية المتشددة للنظام الحاكم آنذاك إلى إدراج السودان عام 1993 على قائمة الدول الراعية للإرهاب. فقد استضافت الخرطوم خلال تلك الفترة شخصيات وتنظيمات متطرفة، من بينها زعيم تنظيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وهو ما أدى إلى فرض عقوبات دولية قاسية وعزلة سياسية استمرت لسنوات طويلة.
ولم يخرج السودان من تلك القائمة إلا بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام الإخوان في عام 2019، عندما تمكنت الحكومة المدنية برئاسة عبدالله حمدوك من إقناع واشنطن بشطب اسم السودان من القائمة، في خطوة اعتُبرت آنذاك بداية لعودة الخرطوم إلى المجتمع الدولي.
لكن التصريحات الحالية لقيادات التيار الإسلامي أعادت إلى الواجهة المخاوف من عودة السودان إلى السياسات القديمة التي قادته إلى العزلة الدولية. ويرى باحثون أن إعلان الاستعداد للقتال إلى جانب إيران لا يمثل مجرد موقف سياسي، بل يعكس توجهاً أيديولوجياً يسعى إلى ربط السودان بمحاور إقليمية مثيرة للجدل.
نفوذ التيار الإسلامي داخل الجيش
ويشير الباحث والأكاديمي الأمين مختار إلى أن خطورة هذه التصريحات تكمن في ارتباط التيار الإسلامي بالمؤسسة العسكرية وتأثيره في قراراتها. ويقول إن “مثل هذه التصريحات المتطرفة كانت سبباً رئيسياً في عزلة السودان خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما واجهت البلاد عقوبات دولية قاسية نتيجة سياسات الحركة الإسلامية وتحالفاتها الخارجية”.
ويضيف أن القيادات الإسلامية لا تكتفي بإشعال الصراعات الداخلية، بل تسعى أيضاً إلى توسيع نطاق المواجهة عبر الاصطفاف مع إيران في صراعاتها الإقليمية، وهو ما قد يجر السودان إلى مواجهات لا تخدم مصالحه الوطنية.
ويرى مختار أن هذه المواقف تؤكد استمرار تبني الحركة الإسلامية للأفكار ذاتها التي قادت السودان سابقاً إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب، مشيراً إلى أن التنظيم لا يؤمن بمفهوم الدولة الوطنية المدنية الحديثة، بل يسعى إلى بناء تحالفات مع قوى أيديولوجية خارجية لتعزيز نفوذه الداخلي.
كتائب إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش
ومع اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، عادت الكتائب المرتبطة بالحركة الإسلامية للظهور بقوة في المشهد العسكري، حيث تقاتل إلى جانب الجيش في عدة جبهات. ومن أبرز هذه التشكيلات “كتيبة البراء بن مالك” و“كتيبة الفرقان”، اللتان لعبتا دوراً مؤثراً في العمليات العسكرية الجارية.
وتشير تقارير عسكرية إلى أن هذه الكتائب تلقت خلال الفترة الماضية دعماً عسكرياً وتقنياً من إيران، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، التي أصبحت أحد أبرز أدوات القتال في الحرب السودانية. وقد رُصد استخدام طائرات من طراز “مهاجر” و“أبابيل” و“شاهد”، وهي منظومات طورتها طهران واستخدمتها في عدة ساحات صراع إقليمية.
ويرى مراقبون أن الدعم الإيراني ساهم في تعزيز قدرات هذه الكتائب المتحالفة مع الجيش، ما منحها نفوذاً أكبر في إدارة العمليات القتالية. ويذهب بعضهم إلى أن هذا النفوذ المتزايد قد يكون أحد العوامل التي تعرقل الوصول إلى تسوية سياسية للصراع، إذ تتهم أطراف سياسية التيار الإسلامي بالسعي إلى إطالة أمد الحرب بهدف استعادة السيطرة الكاملة على السلطة.
خطاب أيديولوجي يتجاوز حدود السودان
ويؤكد الكاتب الصحفي صلاح جلال أن التصريحات الأخيرة لقيادات الإخوان تعكس استمرار النزعة الأيديولوجية التي يتبناها التنظيم، موضحاً أن هذه القيادات لا تعطي أولوية للأمن القومي السوداني، بل تنظر إلى الصراع من زاوية أيديولوجية مرتبطة بمحاور إقليمية.
ويقول جلال إن التجربة السابقة مع النظام الإيراني في تسعينيات القرن الماضي أدخلت السودان في أزمات سياسية واقتصادية كبيرة، ومع ذلك يبدو أن بعض القيادات الإسلامية لم تستخلص الدروس من تلك المرحلة.
ويرى أن التصريحات الأخيرة تمثل محاولة واضحة لجر السودان إلى الصراع الإقليمي عبر الانحياز إلى إيران، وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. كما أشار إلى وجود تنسيق في الخطاب السياسي، لافتاً إلى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية التابعة لسلطة الجيش جاء “حمال أوجه”، حيث حاول التوازن بين خطاب متعاطف مع إيران ورسائل تطمين لدول المنطقة.
مخاوف من انزلاق السودان إلى صراع إقليمي
في ضوء هذه التطورات، يحذر مراقبون من أن استمرار نفوذ التيار الإسلامي داخل الجيش السوداني قد يدفع البلاد إلى الانخراط في صراعات إقليمية لا علاقة لها بمصالح الشعب السوداني. فالسودان يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث، مع ملايين النازحين وانهيار واسع في الاقتصاد والبنية التحتية.
ويرى هؤلاء أن التصريحات الصادرة عن قيادات الحركة الإسلامية، وعلى رأسهم الناجي عبد الله، تكشف عن رغبة واضحة في ربط الصراع الداخلي السوداني بمحور إقليمي تقوده إيران، وهو ما قد يعيد إنتاج السياسات التي أدت في الماضي إلى عزلة السودان دولياً.
وبينما تتسع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط وتتزايد احتمالات تحولها إلى حرب إقليمية شاملة، يبقى السؤال المطروح داخل السودان: هل تستطيع الدولة تحييد نفسها عن هذا الصراع، أم أن نفوذ التيار الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية سيقود البلاد مرة أخرى إلى الانخراط في معارك تتجاوز حدودها الوطنية؟







