متابعات إخبارية

اختبار حاسم في «فارابوغو» المالية.. بين السيطرة الأمنية ونفوذ القاعدة


تصعيد غير مسبوق في الهجمات الإرهابية، تشهده مالي في تطور يعكس حجم التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المجلس العسكري الحاكم.

وخلال الساعات الماضية سيطر مسلحو «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم القاعدة على بلدة فارابوغو، الواقعة على بعد 400 كيلومتر شمال العاصمة باماكو.

أهمية فارابوغو

تلك البلدة التي تمثل عقدة إمداد استراتيجية تتقاطع فيها طرق الشمال والجنوب، ما يجعل السيطرة عليها اختبارًا حاسمًا في ميزان النفوذ بين الدولة والجماعات المتطرفة.

ويرى الباحث السياسي المالي الدكتور بوباكر با، مدير مركز تحليل الحوكمة والأمن في الساحل الأفريقي لـ«العين الإخبارية» أن ما جرى في فارابوغو يكشف هشاشة الوضع الأمني المتراكم منذ سنوات، لكنه لا يعكس بالضرورة فشل المجلس العسكري الحالي، بل نتيجة طبيعية لإرث طويل من الضعف السياسي والاعتماد على التدخلات الخارجية.

مسلحون تابعون لجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» الإرهابية

وأكد أن الجماعات الإرهابية تفتقر إلى مشروع حكم حقيقي وتقوم أساسًا على الابتزاز والنهب، فيما يسعى المجلس العسكري لإعادة هيكلة الجيش وتعزيز الشراكات مع قوى جديدة كروسيا، في محاولة لاستعادة السيادة الوطنية.

وشدد على أن المواجهة تتطلب مزيجًا من الحسم العسكري وبناء شرعية داخلية قادرة على تعزيز صمود السكان أمام الإرهاب.

هجمات متصاعدة

الهجوم الأخير جاء بعد 10 أيام فقط من سقوط المعسكر العسكري القريب من فارابوغو بيد الإرهابيين.

ورغم أن الجيش المالي لم يعلن حصيلة دقيقة، أكدت مصادر محلية فرار المدنيين في البداية، قبل أن يبدأ بعضهم في العودة تحت شروط قاسية فرضتها الجماعة الإرهابية، من بينها فرض إتاوات مالية، وحظر الموسيقى والتدخين والكحول، وإجبار النساء على ارتداء الحجاب الكامل.

وقالت صحيفة «لوموند» الفرنسية إن هذا التطور يحمل رمزية خاصة، إذ إن واحدة من أولى القرارات التي اتخذها المجلس العسكري الحاكم منذ 2020 كانت فك الحصار الإرهابي عن فارابوغو، ما جعلها رمزًا لصمود الدولة أمام التهديدات المسلحة.

واليوم، بعد عودتها إلى أيدي الإرهابيين، تُطرح تساؤلات حول استراتيجية المواجهة القادمة.

البعد السياسي والأمني

ووفقًا للصحيفة الفرنسية، فإن مالي تعيش منذ 2012 أزمة أمنية متشابكة تغذيها ثلاثة عوامل رئيسية: التمدد الإرهابي، خاصة من جماعات تابعة للقاعدة وداعش، وضعف الدولة المركزية المتراكم عبر الحكومات السابقة المدعومة غربيًا، والصراعات المجتمعية بين المكونات العرقية والقبلية، والتي غذّتها التدخلات الأجنبية بشكل غير مباشر.

وأوضحت الصحيفة أن المجلس العسكري، بقيادة العقيد أسيمي غويتا، حاول منذ وصوله إلى السلطة استعادة السيادة الوطنية والتخفف من الهيمنة الفرنسية، معززًا التعاون مع شركاء جدد في أفريقيا وروسيا.

هذا التوجه أحدث شرخًا مع بعض القوى الغربية، لكنه لاقى دعمًا داخليًا واسعًا من الرأي العام المالي الذي سئم التدخلات الخارجية التي لم توقف الإرهاب.

الباحث السياسي المالي الدكتور بوباكر با، أكد كذلك أن ما يحدث في فارابوغو «نتيجة طبيعية لإرث ثقيل تراكم عبر سنوات من الفشل السياسي والاعتماد المفرط على فرنسا وقوات أجنبية لم تكن أولويتها حماية الماليين».

وأضاف بوباكر با أن «المجلس العسكري اليوم يواجه حربًا غير متكافئة ضد جماعات إرهابية عابرة للحدود، ممولة ومدعومة بشكل غير مباشر عبر شبكات إقليمية ودولية».

كما رأى أن «السيطرة المؤقتة للإرهابيين على بلدات مثل فارابوغو يجب أن تُقرأ ضمن إطار أوسع، إذ إن هذه الجماعات لا تملك مشروع حكم حقيقي، وإنما تمارس ابتزازًا ونهبًا منظمًا».

وأشار الباحث السياسي إلى أن «الرد العسكري وحده غير كافٍ»، موضحًا أن «ما يقوم به المجلس العسكري من إعادة هيكلة الجيش، وتعزيز التعاون مع شركاء جدد، ومنح الأولوية للسيادة الوطنية، يمثل بداية صحيحة لاستعادة زمام الأمور، لكن النتائج لن تكون آنية».

ضغط شعبي وتحديات دولية

ولفت بوباكر با إلى أنه رغم الهجوم، لا يزال المجلس العسكري يتمتع بشرعية واسعة داخل البلاد، إذ يرى كثير من الماليين أن القيادة الحالية أكثر جدية في مواجهة الإرهاب من الحكومات السابقة.

كما يعتبرون أن «انسحاب فرنسا وفتح المجال أمام شراكات جديدة يعكس رغبة في التحرر من الوصاية القديمة».

ومع ذلك، فإن الضغوط الدولية تتزايد، خاصة من منظمات غربية تحاول ربط الوضع الأمني بانتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما يصفه مراقبون بأنه «تسييس للأزمة» يهدف إلى إضعاف خيارات باماكو السيادية.

وأضاف أن «سيطرة الإرهابيين على فارابوغو تمثل تحديًا خطيرًا، لكنها ليست نهاية المعركة، بل يمكن اعتبارها اختبارًا لقدرة المجلس العسكري على الجمع بين الحسم الأمني وبناء شرعية سياسية داخلية تعزز صمود السكان في وجه الإرهاب».

وبحسب الباحث السياسي المالي، فإن «مستقبل مالي يعتمد على قدرة المجلس العسكري على تحويل التهديد إلى فرصة لإعادة بناء الدولة بعيدًا عن التدخلات الأجنبية التي فشلت في حماية البلاد لعقد كامل».

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى