إيران تستعد لصراع محتمل مع أمريكا.. 5 مراحل لمواجهة مكلفة
رغم اتفاق الولايات المتحدة وإيران على عقد لقاء في سلطنة عُمان يوم الجمعة، إلا أن الرئيس دونالد ترامب
قال إن المرشد الإيراني علي خامنئي «ينبغي أن يكون قلقًا للغاية»، ما أثار مخاوف من تصعيد جديد.
تصعيد قد يقود إلى حرب بين البلدين، وضعت طهران تصورها لها، موضحة كيف تعتقد أنها قادرة على مواجهة أقوى جيش في العالم، وإحداث اضطراب بالغ في الاقتصاد العالمي.
ففي خطة معركة مفصلة نشرتها وكالة «تسنيم» المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، تتخيل القيادة الإيرانية سيناريوهات تشمل ضرب قواعد أمريكية، وفتح جبهات جديدة عبر حلفاء بالوكالة، وشن حرب سيبرانية، وشل تجارة النفط العالمية. وتؤكد طهران أن الجغرافيا الشرق أوسطية ستتفوق، في هذا الصراع، على التكنولوجيا الأمريكية.
المرحلة الأولى: ضربات أمريكية لإيران
يبدأ السيناريو الإيراني بضربات جوية وصاروخية أمريكية تستهدف منشآت نووية، وقواعد عسكرية، ومواقع للحرس الثوري، يقع معظمها في مناطق مكتظة بالسكان.
ومن المرجح أن تنطلق الهجمات الأمريكية من حاملات طائرات، بينها مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس إبراهام لينكولن» الموجودة حاليًا في المنطقة، إضافة إلى قاذفات استراتيجية تقلع من قواعد داخل الولايات المتحدة أو من قواعد أوروبية، وربما من أنظمة برية متمركزة في دول حليفة.
وقد أجرى «البنتاغون» على مدى عقود تخطيطًا موسعًا لمثل هذه العمليات، ونفذ بالفعل ضربات على منشآت نووية إيرانية في يونيو/حزيران الماضي. كما أطلق ترامب تهديدات متكررة بتوجيه ضربات جديدة لإيران، عقب قمع احتجاجات مناهضة للنظام بعنف شديد، أسفر عن مقتل آلاف المتظاهرين.
وقال السير ريتشارد ديرلوف، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطانية الخارجية (MI6)، في حديث لبودكاست «بلانيت نورمال» التابع لصحيفة «ذا تلغراف»: «أعتقد أن احتمال شن هجوم مرتفع نسبيًا، والسبب في ذلك هو أن الإسرائيليين يدفعون ترامب بقوة في هذا الاتجاه».
ومن المتوقع أن تشن أمريكا ضرباتها، مستخدمة: طائرات شبح، وذخائر موجهة بدقة، وضربات منسّقة تهدف إلى إغراق الدفاعات الجوية الإيرانية وتقليل خسائر الطائرات الأمريكية. كما تمنح التطورات التكنولوجية في مجال الأسلحة فرط الصوتية والحرب الإلكترونية الولايات المتحدة أفضلية كبيرة.
لكن إيران تعتقد أنها استعدت لهذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتشييد منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولى. ويقوم الحساب الإيراني، ليس على منع وقوع الأضرار، بل على الاحتفاظ بقدرة كافية لشن هجمات مضادة.
وقال اللواء عبد الرحيم موسوي، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، الأربعاء، خلال جولة في «مدينة صواريخ» تابعة للحرس الثوري: «نحن مستعدون لأي عمل يقوم به الأعداء». وأضاف: «بعد حرب الأيام الـ12، غيّرنا عقيدتنا العسكرية من دفاعية إلى هجومية، باعتماد سياسة الحرب غير المتكافئة والرد الساحق على الأعداء».
المرحلة الثانية: الرد الإيراني
يتصور الرد الإيراني توسيع ساحة المعركة فورًا إلى ما وراء الحدود؛ فخلال ساعات، ستطلق طهران وابلًا من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على منشآت عسكرية أمريكية في أنحاء المنطقة. وتشمل الأهداف الرئيسية مصالح أمريكية في المنطقة.
وكانت إيران قد قصفت قاعدة عين الأسد الجوية في العراق بصواريخ باليستية عقب اغتيال قاسم سليماني عام 2020، ما أدى إلى إصابة أكثر من 100 جندي أمريكي. ويمكن أن تحاول تكرار ذلك، رغم أن القوات الأمريكية أعلنت «انسحابًا كاملًا» من القاعدة في يناير/كانون الثاني.
ويشير التقرير إلى أن «إيران لا ترى نفسها جزيرة معزولة في الحرب، بل مركز شبكة محتملة من المواجهات». وتقوم الاستراتيجية الإيرانية على إغراق الدفاعات الأمريكية عبر إطلاق مئات أو آلاف المقذوفات في وقت واحد لإشباع بطاريات الدفاع الصاروخي من طراز «باتريوت» و«ثاد».
وتضم الترسانـة الإيرانية طائرات «شاهد-136» المسيّرة بحمولة 50 كيلوجرامًا، وصواريخ «خيبر شكن» الباليستية ذات الرؤوس القابلة للمناورة لتفادي الدفاعات، وصواريخ «عماد» بحمولة 750 كيلوجرامًا، وصواريخ «باوه» الجوالة بمدى يصل إلى 1000 ميل.
ورغم اعتراض عدد كبير من هذه الهجمات، تعتقد إيران أن ما يكفي منها سيخترق الدفاعات لإحداث خسائر بشرية جسيمة وأضرار بالبنية التحتية الحيوية. وبالتوازي، تتوقع تفعيل ما يُعرف بـ«محور المقاومة» على عدة جبهات.
فقد أعلن «حزب الله» في لبنان أنه يعتبر أي حرب على إيران حربًا عليه، وقد يطلق صواريخ وقذائف على إسرائيل، ما يجبر الحليف الأمريكي على تحويل موارد كبيرة للدفاع. كما سيكثف الحوثيون في اليمن هجماتهم على السفن في البحر الأحمر، وعلى إسرائيل والقواعد الأمريكية، بينما تستهدف المليشيات العراقية الموالية لطهران أفرادًا ومرافق دبلوماسية أمريكية.
تحديات
لكن هذه الاستراتيجية متعددة الوكلاء تواجه تحديات كبيرة، إذ إن العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة أضعفت بشدة قدرات «حزب الله» و«حماس». كما يبدو الافتراض بأن هذه الجماعات ستنسق هجمات فعالة فورًا، بالتزامن مع صد هجمات إسرائيلية وأمريكية مضادة، تفاؤليًا إلى حد كبير. وقد تسعى دول مضيفة مثل العراق ولبنان إلى منع استخدام أراضيها لشن هجمات قد تجلب ردودًا مدمرة.
ومع ذلك، تهدف المقاربة متعددة الجبهات إلى تشتيت القوات الأمريكية في المنطقة، عبر فتح صراعات متزامنة في مواقع متباعدة، بما يحد من قدرة واشنطن على تركيز قوتها ضد إيران مباشرة. وقد حذرت طهران من أن أي دولة توفر مجالًا جويًا أو قواعد أو دعمًا لوجستيًا للعمليات الأمريكية ستُعتبر «هدفًا مشروعًا».
المرحلة الثالثة: الحرب السيبرانية
تخطط إيران لشن هجمات إلكترونية تستهدف ما تعتبره نقاط ضعف أمريكية، تشمل شبكات النقل، والبنية التحتية للطاقة، والأنظمة المالية، والاتصالات العسكرية. وتعتقد طهران أن العمليات السيبرانية قد تعطل الإمدادات اللوجستية الأمريكية، وتعقّد القيادة والسيطرة، وتزرع الفوضى في الدول الحليفة التي تستضيف قوات أمريكية.
وفي الآونة الأخيرة، درست مجموعات إيرانية بنية تحتية أمريكية، لكن بنجاح محدود أمام الشبكات العسكرية المحصنة. في المقابل، أمضت القيادة السيبرانية الأمريكية سنوات في الاستعداد لمثل هذه السيناريوهات، وتتفوق القدرات السيبرانية الأمريكية كثيرًا على نظيرتها الإيرانية، مع إمكانية شن هجمات مضادة على بنية إيران التحتية الأكثر هشاشة.
وقد يعمد البنتاغون إلى تعطيل توليد الكهرباء في إيران، وإرباك أنظمة توجيه الصواريخ، واختراق شبكات الاتصالات.
المرحلة الرابعة: سيناريو النفط
تقول إيران إن سلاحها الأقوى جغرافي بطبيعته، ويتمثل في السيطرة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يعادل قرابة 21% من النفط العالمي. ويُعد هذا الممر المائي، الذي لا يتجاوز عرضه 24 ميلًا في أضيق نقطة، أحد أهم عنق الزجاجة للطاقة في العالم، وقد هددت إيران مرارًا بإغلاقه في فترات التوتر.
وتشمل التكتيكات المتوقعة زرع ألغام بحرية، ومهاجمة ناقلات النفط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وربما إغراق سفن لعرقلة ممرات الشحن. وقد تدربت القوات البحرية للحرس الثوري على تكتيكات «الأسراب»، باستخدام زوارق صغيرة مسلحة بصواريخ وطوربيدات لإرباك السفن الحربية الأكبر.
ومن شأن هذه الخطوات أن تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع الحاد، ربما إلى 200 دولار للبرميل أو أكثر، ما يلحق أضرارًا اقتصادية جسيمة بالعالم ويزيد الضغط على الولايات المتحدة للتراجع.
وقال حسين شريعتمداري، ممثل المرشد الإيراني: «يمكننا فرض قيود على الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا في مضيق هرمز وعدم السماح لها بالملاحة».
ورغم امتلاك الولايات المتحدة خططًا طارئة لإبقاء المضيق مفتوحًا، تشمل عمليات إزالة الألغام ومرافقة الناقلات بضربات مدمّرات واستهداف منشآت ساحلية إيرانية، فإن أي تعطيل جزئي للملاحة سيهز الأسواق العالمية.
وتعتقد طهران أن الكلفة الاقتصادية ستجبر واشنطن في نهاية المطاف على التفاوض بدل الاستمرار في حرب طويلةK غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر جسيمة لإيران نفسها، إذ تعتمد عائدات النفط على الجزء الأكبر من إيرادات الحكومة، وإغلاق هرمز قد يدمّر الاقتصاد الإيراني أكثر من اقتصاد خصومه.
المرحلة الخامسة: نهاية اللعبة
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على قناعة بأن الولايات المتحدة وحلفاءها سيخلصون إلى أن كلفة الصراع المستدام تفوق أي مكاسب محتملة. ومن خلال التهديد بإمدادات الطاقة العالمية، وشن هجمات متواصلة عبر عدة دول، وإيقاع خسائر محتملة في صفوف القوات الأمريكية، تأمل إيران في خلق وضع متعدد الجبهات غير قابل للاستمرار.
ويعتقد المخططون الإيرانيون أن شهية الولايات المتحدة لحروب طويلة محدودة بعد تجربتي أفغانستان والعراق. فالقتال المتزامن ضد وكلاء متجذرين في لبنان واليمن والعراق وربما سوريا، سيشكل عبئًا على القدرات العسكرية الأمريكية.
وترتكز الاستراتيجية الإيرانية على فرضية أن الرئيس الأمريكي سيجد الحرب مكلفة إلى حد لا يمكن تحمله. وتصف طهران مقاربتها بأنها «صمود غير متكافئ»؛ فهي لا تعتقد أنها قادرة على الانتصار عسكريًا، لكنها ترى أنها تستطيع جعل الانتصار مكلفًا للغاية بالنسبة لواشنطن.
ويعتمد هذا الحساب على اختيار الولايات المتحدة خفض التصعيد بدل استخدام كامل قدراتها التقليدية، التي قد تدمر البنية التحتية والقوات العسكرية الإيرانية. وفي نهاية المطاف، تبقى المسألة مسألة إرادة سياسية أكثر منها قدرات عسكرية.
كما تفترض الاستراتيجية وجود عقلانية في اتخاذ القرار لدى الطرفين، رغم أن ديناميات التصعيد في الحروب معروفة بعدم قابليتها للتنبؤ. فما تعتبره إيران ضغطًا محسوبًا قد يفضي إلى رد أمريكي كاسح، لا سيما إذا سقط عدد كبير من الضحايا الأمريكيين.







