أوكرانيا تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة مع استمرار الحرب وأزمة التجنيد

مع دخول الحرب عامها الرابع، تواجه أوكرانيا ضغوطا متزايدة لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تمتد إلى الداخل الاجتماعي والاقتصادي، حيث باتت أزمة التجنيد الإجباري من أكثر الملفات إثارة للجدل.
ووفقا لتحليل نشره موقع “ريسبونسيبل ستايبت كرافت”، فإن الأوكرانيين يتمتعون بـ”ثقة متزايدة بالنفس” بفضل الأراضي التي يُفترض أنهم استعادوها ولا يزال الشعب مصممًا على خوض قتال لا نهاية له لكن يصعب التوفيق بين هذا الموقف وبين أزمة التجنيد المتفاقمة في أوكرانيا، والتي تتجسد بشكل واضح في المقاومة العنيفة المتزايدة لسياسة التجنيد الإجباري.
ومنذ سنوات، انتشرت مقاطع فيديو تظهر أوكرانيين عاديين “يجندون” للخدمة العسكرية أو بعبارة أدق، يتم اختطافهم من الشوارع أو منازلهم على يد رجال ملثمين أحيانًا، وجرهم إلى سيارة صغيرة لنقلهم بعيدًا.
وكان “هذا جزءًا من جهود التعبئة للحرب التي شابها الكثير من الجدل، بما في ذلك سلسلة من فضائح الرشوة وادعاءات واسعة النطاق بسوء المعاملة، وتجنيد الرجال ذوي الإعاقات الذهنية والجسدية”، وفق موقع “ريسبونسيبل ستايبت كرافت”.
ولا يحظى التجنيد الإجباري بشعبية فقد تجاوزت عريضة تطالب بإنهاء التعبئة في الأماكن العامة عتبة الـ 25,000 توقيع اللازمة لاستجابة رئاسية وسرعان ما بدأ مسؤولو التجنيد يواجهون احتجاجات غاضبة من المجتمعات المحلية.
والعام الماضي، وصف مفوض حقوق الإنسان في أوكرانيا، دميترو لوبينيتس، هذا النظام علنًا بأنه “نظام قسري”، وكشف أن الشكاوى ضد مسؤولي التجنيد في مراكز التجنيد الإقليمية قد ارتفعت بأكثر من 33,000% منذ بداية الحرب حيث ارتفعت من 18 شكوى فقط في 2022 إلى أكثر من 6,000 شكوى في 2025.
ومع استمرار الحرب، تصاعدت حدة الغضب ضد ممارسات التجنيد الإجباري فشهد عام 2025 سلسلة من حوادث قتل ضباط التجنيد.
ففي نهاية يناير/كانون الثاني 2025، اقتحم رجل مركزًا للتدريب العسكري وأطلق النار على ضابط من لجنة التجنيد الانتقامي كان قد “جند” أحد معارفه، ما أدى إلى مقتله.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، تعرض ضابط تجنيد لطعنة قاتلة من رجل طلب منه الاطلاع على أوراقه، ثم هاجم ثلاثة ضباط آخرين قبل أن يلوذ بالفرار.
وفي تقريرها عن الحادث، أشارت صحيفة “كييف إندبندنت” المحلية وهي ليست منبرًا مناهضًا للحرب، إلى “تجاهل مقاطع الفيديو التي توثق ممارسات “التجنيد” العنيفة في البداية باعتبارها مبالغة وتغذيها شبكات التضليل الروسية”، إلا أنها كانت في الواقع منتشرة على نطاق واسع نتيجة لنقص القوى العاملة في أوكرانيا والانخفاض الحاد في التطوع.
وشهد شهر ديسمبر/كانون الأول أيضًا هجومًا شنته مجموعة من الأشخاص على ضباط لجنة التجنيد أثناء محاولتهم التحقق من أوراقهم، مما أسفر عن إصابة أحدهم بكسر في أحد الأضلاع.
ومنذ بداية 2026، تصاعد العنف بشكل كبير ففي نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، قتل رجل ضابط تجنيد وفر مع أحد المجندين الذين كان يرافقهم.
وشهد شهر فبراير/شباط هجومين منفصلين على الأقل على ضباط من وحدة مكافحة التجنيد في خاركيف ومقاطعة لفيف، حيث تشتبه الشرطة في محاولة الأخير مساعدة مجند على الفرار وبعد شهر، قطع مجموعة من الأشخاص سيارة فان تقل مجندين واقتحموها لتحرير أحد المجندين.
وشهد الأسبوع الأول من أبريل/نيسان 3 حوادث طعن في غضون أربعة أيام، من بينها طعن مجند في رقبته على يد ضابط جمارك بعد محاولات لتجنيد شقيقه قسرًا.
كما هاجمت مجموعة من المراهقين ضباط وحدة مكافحة التجنيد لحماية رجل كانوا يحاولون تجنيده، وانتهى الشهر بتغيب جندي يبلغ من العمر 48 عامًا عن الخدمة العسكرية وإطلاقه النار من سلاح آلي على سيارة كان يستقلها ضباط تجنيد مما أدى إلى نقل اثنين منهم إلى المستشفى وقبل أيام قليلة طعن شخص يقال أنه تهرب من التجنيد مجندين بعدما حاولا التحقق من أوراقه.
ووفقًا للإحصاءات الحكومية، تعد هذه الحوادث مجرد عينة من أكثر من 600 هجوم على ضباط التجنيد والتي تصاعدت وتيرتها منذ بداية الحرب، حيث تضاعف عددها ثلاث مرات تقريبًا بين عامي 2024 و2025.
وتطرح هذه الزيادة في الهجمات تساؤلا حول كيفية توافقها مع استطلاعات الرأي التي أشارت إلى استعداد الشعب الأوكراني للقتال إلى أجل غير مسمى حتى تحقيق النصر العسكري.
وتعليقا على ذلك، قال فولوديمير إيشينكو، الباحث المشارك في معهد دراسات أوروبا الشرقية بجامعة برلين الحرة “تجرى جميع هذه الاستطلاعات تقريبًا في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة الأوكرانية فقط. وهذا يعني أنها لا تشمل الأوكرانيين في شبه جزيرة القرم، أو دونباس، أو أو دول الاتحاد الأوروبي، أو الأوكرانيين الذين لجأوا إلى روسيا، وهم بالملايين” وأضاف “لذا، فإن ما يصل إلى ثلث إجمالي حاملي جوازات السفر الأوكرانية لم يُستطلع رأيهم”.
كما تكشف مؤشرات أخرى عن عزوف صامت عن القتال، حيث كشف وزير الدفاع الأوكراني هذا العام عن وجود مليوني شخصٍ تهربوا من التجنيد، و200 ألف حالة فرار.
وبينما كان التجنيد الطوعي هو المحرك الرئيسي للأشهر الأولى من الحرب، فإن التجنيد الإجباري مسؤول الآن عن 70% من عمليات التجنيد كما قاوم المواطنون الأوكرانيون الذين فروا إلى أوروبا مع بداية الحرب الجهود الأوروبية لإعادتهم، وفي بعض الحالات، لتجنيدهم بناءً على طلب الحكومة الأوكرانية.
وفي حين يتمكن الأوكرانيون الميسورون من التهرب من التجنيد بالرشوة، حث قائد الحرس الوطني الأوكراني من “يعانون من ضائقة مالية” على الانضمام إلى الجيش.
ويكشف تحليل لأرقام الخسائر الأوكرانية، أن الغالبية العظمى من القتلى في المعارك ينتمون بشكلٍ غير متناسب إلى البلدات الصغيرة، حيث ترتفع معدلات الفقر.
وقد أدى استمرار الحرب إلى خلق أزمة اقتصادية وديموغرافية حادة في أوكرانيا مما يهدد مستقبلها كدولة مستقرة وفاعلة.
والأسبوع الماضي، قدر رئيس مكتب سياسة الهجرة الأوكراني أن 70% من الموجودين في الخارج قد لا يعودون إلى البلاد، مما ينذر بنقص في الأيدي العاملة في القطاعات الحيوية.







