مع اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وشبكة حلفائها من جهة أخرى، بدأت ملامح صراع إقليمي متعدد الجبهات تتشكل في الشرق الأوسط، وسط مخاوف متزايدة من انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة خارج نطاقها التقليدي. فالتصعيد لم يعد محصوراً في مسرح واحد، بل امتد ليشمل عدة دول، مع دخول أطراف مسلحة مرتبطة بطهران على خط المواجهة بشكل مباشر.
في لبنان، تبادل حزب الله وإسرائيل الضربات الصاروخية والمدفعية، التي طالت مناطق عدة بينها الضاحية الجنوبية لبيروت، ما فتح جبهة ميدانية جديدة تضاف إلى خريطة التوتر. وفي العراق واليمن، لوّحت فصائل مسلحة متحالفة مع إيران وجماعة أنصار الله باستهداف المصالح والقواعد العسكرية الأميركية والإسرائيلية رداً على التصعيد العسكري الجاري، في مؤشر على أن الصراع يتحول تدريجياً إلى مواجهة إقليمية واسعة تتداخل فيها حسابات القوى المحلية مع الاستراتيجيات الدولية.
وسط هذه التحولات، يبرز اسم السودان كإحدى الساحات التي قد تتأثر مباشرة بامتدادات هذا الصراع، خاصة في ظل الحرب الداخلية التي تعصف بالبلاد منذ أبريل/نيسان 2023. ويرى مراقبون أن موقع السودان الجيوسياسي على البحر الأحمر، إضافة إلى تعقيدات المشهد العسكري الداخلي، قد يجعلان منه نقطة تلاقٍ محتملة بين الصراع المحلي والتحولات الإقليمية.
تشير تقارير عسكرية إلى أن الجيش السوداني تلقى خلال الأشهر الماضية دعماً فنياً وعسكرياً من إيران، وخصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، التي أصبحت أحد أهم عناصر التفوق في الحروب الحديثة. ووفق هذه التقارير، جرى رصد خط إمداد يربط طهران بمدينة بورتسودان الاستراتيجية على البحر الأحمر، وهي المدينة التي تحولت خلال الحرب إلى مركز رئيسي للسلطة والإدارة بعد تدهور الأوضاع في العاصمة الخرطوم.
كما تحدثت تقارير عن دور لشركة قشم فارس المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في عمليات الشحن والإمداد، وهو ما يعكس – وفق تقديرات مراقبين – وجود شبكة لوجستية متكاملة لنقل المعدات العسكرية إلى السودان.
وفي هذا السياق، رُصد استخدام عدة أنواع من الطائرات المسيّرة الإيرانية الصنع، بينها طرازات “مهاجر” و“أبابيل” و“شاهد”، وهي منظومات أثبتت فعاليتها في عدة ساحات قتال إقليمية. ويرى محللون أن دخول هذه المسيّرات إلى ميدان الحرب السودانية أسهم في تغيير موازين القوى الميدانية لصالح الجيش والقوات المتحالفة معه، خصوصاً في عمليات الاستهداف الدقيقة.
غير أن البعد العسكري ليس وحده ما يثير الجدل، بل أيضاً البعد الأيديولوجي المرتبط بوجود تيار إسلامي داخل المؤسسة العسكرية السودانية. فالتقارير والتحليلات السياسية تشير إلى نفوذ واسع لشخصيات وتنظيمات مرتبطة بالحركة الإسلامية داخل بعض مفاصل الجيش، وهي الحركة التي شكلت العمود الفقري للنظام الذي حكم السودان لعقود بقيادة الرئيس الأسبق عمر البشير.
هذا التيار الذي تراجع حضوره السياسي بعد سقوط النظام في 2019، عاد للظهور بشكل ملحوظ مع اندلاع الحرب الحالية، من خلال كتائب وفصائل تقاتل إلى جانب الجيش وتتبنى خطاباً أيديولوجياً واضحاً. وتعد “كتيبة البراء بن مالك” و“كتيبة الفرقان” من أبرز التشكيلات المرتبطة بهذا التيار، والتي ظهرت في عدة معارك خلال الصراع الجاري.
وفي مؤشر لافت على طبيعة هذا التوجه، أعلن قادة في “كتيبة الفرقان” استعدادهم للقتال “كتفاً بكتف” مع إيران في مواجهة إسرائيل، في خطاب يتجاوز حدود الصراع الداخلي السوداني إلى الاصطفاف ضمن صراع إقليمي أوسع.
وجاء التصريح الأبرز في هذا السياق خلال فعالية رمضانية، حيث أكد القيادي الإسلامي الناجي عبد الله التضامن الكامل مع طهران في مواجهة الضربات الأميركية والإسرائيلية، معلناً استعداد مقاتلي الكتائب الإسلامية لاستخدام الطائرات المسيّرة في هذه الحرب. كما تحدث عن إمكانية إرسال مقاتلين إلى إيران في حال اندلاع مواجهات برية، وهو تصريح أثار جدلاً واسعاً حول دلالاته السياسية والعسكرية.
ويرى محللون أن هذا الخطاب يعكس توجهاً متنامياً داخل التيار الإسلامي في السودان لربط الصراع المحلي بما يسمى “محور المقاومة”، وهو التحالف غير الرسمي الذي تقوده إيران ويضم عدداً من الفصائل المسلحة في المنطقة.
وتزداد حساسية هذه التصريحات بالنظر إلى الخلفية السياسية والشخصية لعبد الله، الذي يُعرف بقربه من مؤسس الحركة الإسلامية السودانية حسن الترابي. وتشير مصادر مطلعة إلى أنه كان ضمن الشخصيات التي تولت مهام تأمين زعيم تنظيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن خلال فترة إقامته في السودان في تسعينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي شهدت استضافة الخرطوم لعدد من الجماعات الإسلامية الدولية.
كما يُعد عبد الله أحد مؤسسي “كتيبة البراء بن مالك”، وهي من أبرز الكتائب المرتبطة بالحركة الإسلامية التي تقاتل حالياً إلى جانب الجيش السوداني. ويُنظر إلى هذه الكتائب على أنها تمثل الجناح العسكري غير الرسمي للتيار الإسلامي، وأنها تسعى إلى استعادة نفوذ الحركة داخل مؤسسات الدولة من خلال الحرب الجارية.
ويرى مراقبون أن تصريحات عبد الله تعكس تحولاً أعمق في توجهات التيار الإسلامي داخل الجيش السوداني، حيث لم يعد الخطاب يقتصر على دعم الجيش في الحرب الداخلية، بل بدأ يتجه نحو ربط المعركة السودانية بصراعات إقليمية أوسع.
ويحذر محللون من أن هذا التوجه قد يضع السودان في قلب صراع إقليمي لا يخدم مصالحه الوطنية، خاصة في ظل الأزمة الإنسانية والاقتصادية غير المسبوقة التي تعصف بالبلاد. فالسودان يواجه اليوم واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخه الحديث، مع ملايين النازحين وانهيار واسع في البنية الاقتصادية والخدمية.
وفي ظل هذه الظروف، يخشى مراقبون أن يؤدي تصاعد نفوذ التيار الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية إلى إعادة إنتاج التحالفات القديمة التي ربطت السودان بمحاور إقليمية مثيرة للجدل، وهو ما قد يعمق عزلة البلاد ويزيد من تعقيد فرص التسوية السياسية.
وبينما تتسع المواجهة في الشرق الأوسط وتتزايد احتمالات تحولها إلى حرب إقليمية شاملة، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة السودان على البقاء خارج هذه الدوامة، في ظل وجود تيارات داخلية ترى في الصراع جزءاً من معركة أيديولوجية أوسع تتجاوز حدود البلاد.







