سياسة

هاجس التكرار: كيف تحاول إيران كسر نمط التصعيد المرتبط بـ الأربعين؟


عاد الإيرانيون إلى الشوارع هذا الأسبوع لإحياء ذكرى من قتلتهم قوات الأمن خلال المظاهرات المناهضة للحكومة في الشهر الماضي، وهو ما قوبل بحملات قمع جديدة تعيد إلى الأذهان مشاهد من الثورة الإسلامية في 1979 التي أطاحت بالشاه المدعوم من الولايات المتحدة.

وكان المناهضون للشاه يعمدون إلى تحويل طقس جنائزي معتاد لدى الشيعة في ذكرى مرور أربعين يوما على أي حالة ‌وفاة إلى جولة احتجاجات جديدة، وهو ما يترتب عليه تجدد العنف من السلطات، وبالتالي سقوط مزيد من القتلى يعدونهم “شهداء” للقضية.

ورغم تبنيهم نفس الإستراتيجية بعد خمسة عقود، لم يتمكن مناهضو المؤسسة الدينية حاليا من تحقيق زخم الماضي، لكن القلق يبدو جليا على حكام إيران الدينيين في وقت يهددهم فيه، من جانب آخر، الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن هجوم عسكري بسبب سياساتهم النووية والأمنية.

ونشرت السلطات قوات الأمن عند بعض المقابر ودعت المواطنين لحضور مراسم “الأربعين” التي نظمتها الدولة الثلاثاء بعد الاعتذار “لجميع المتضررين” من العنف الذي ألقت باللوم فيه على أشخاص وصفتهم “بالإرهابيين”.

وقال أحد النشطاء الحقوقيين في إيران رفض الكشف عن اسمه خوفا من تعرضه للانتقام “حاولوا ألا يعيد التاريخ نفسه بإقامة هذه المراسم في مساجد بمناطق مختلفة من البلاد لمنع أي تجمعات للعائلات الغاضبة عند المقابر، لكنهم فشلوا”.

اشتباكات مع قوات الأمن

أظهرت مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أسرا تقيم مراسم تأبين خاصة بها في مناطق مختلفة من إيران الثلاثاء بعد 40 يوما من بدء قوات الأمن عمليات إطلاق نار واسعة النطاق استمرت يومين، والتي تقول جماعات معنية بحقوق الإنسان إنها أسفرت عن مقتل آلاف المتظاهرين.

وتحولت بعض مراسم الحداد إلى احتجاجات أوسع نطاقا لمناهضة الحكومة، وقوبل بعضها باستخدام القوة المميتة. وفي بلدة عبدانان الكردية في محافظة إيلام، قال شهود ونشطاء إن قوات الأمن أطلقت النار على مئات المعزين الذين تجمعوا عند مقبرة.

وأظهرت مقاطع فيديو أشخاصا وهم يتفرقون مع دوي إطلاق النار وسط هتافات “الموت للديكتاتور”، في إشارة إلى الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.

وأفادت منظمة “هنغاو” الكردية الإيرانية المعنية بحقوق الإنسان بإصابة ثلاثة أشخاص على الأقل واعتقال تسعة آخرين في عبدانان. وأشارت تقارير أيضا إلى حدوث اشتباكات مماثلة في مشهد وهمدان. وقالت مصادر في إيران إن هناك قيودا مشددة على الاتصال بالإنترنت في تلك المدن.

وكانت هناك توقعات بإقامة المزيد من مراسم الحداد اليوم الذي تحل فيه ذكرى مرور 40 يوما على اليومين الأكثر دموية في اضطرابات يناير/كانون الثاني، غير ‌أن القيود المفروضة على الاتصالات تحول دون إمكانية معرفة عددها أو ما حدث فيها بشكل فوري.

وسرعان ما تحولت احتجاجات متواضعة لتجار ومتعاملين في البازار الكبير بطهران، بدأت في ديسمبر/كانون الأول على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية، إلى أسوأ أزمة ‌تواجهها المؤسسة الدينية الشيعية في إيران منذ ما يقرب من خمسة عقود، إذ طالب المتظاهرون رجال الدين بالتنحي عن مواقع الحكم.

وتقول منظمات حقوقية إن السلطات قطعت الاتصال بالإنترنت وألقت باللوم على “إرهابيين مسلحين” مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة في أعمال العنف وألقت القبض على صحفيين ومحامين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان وطلاب.

وقال مسؤولون إيرانيون لرويترز إن القيادة تخشى من أن تضعف ضربة أميركية محتملة قبضتها على السلطة عبر تأجيج مزيد من الاحتجاجات. ويتصدر القمع وعدم المساواة والفساد ودعم الوكلاء في الخارج قائمة المظالم.

وقالت سارة الموظفة الحكومية البالغة من العمر 28 عاما من مدينة أصفهان بوسط البلاد “إلى متى سيستمرون في قتل الناس للبقاء في السلطة؟ الناس غاضبون.. الناس محبطون”، مضيفة أن “الجمهورية الإسلامية لم تجلب لبلادنا سوى الحرب والبؤس الاقتصادي والموت”.

وقرر ترامب إرسال حاملات طائرات وطائرات مقاتلة ومدمرات مسلحة بالصواريخ الموجهة وقدرات أخرى إلى الشرق الأوسط استعدادا لشن هجوم محتمل إذا لم تسفر المحادثات، الرامية للحد من برنامج إيران النووي وإضعاف وكلائها الأجانب، عن نتائج.

وحتى إذا لم تشن الولايات المتحدة أي هجوم، فإن استمرار العزلة الناجمة عن العقوبات الغربية من شأنه زيادة غضب الرأي العام. وكانت مدن وقرى بالأقاليم في البلاد قد شهدت انتفاضة مناهضة للشاه في 1979، لكن حدتها زادت بسبب عاملين هما إضرابات عمال النفط التي أدت إلى خفض معظم إيرادات إيران، وقيام تجار البازار بتمويل رجال الدين المتمردين.

ولم ترد هذه المرة تقارير عن وجود أي من هذين العاملين، لكن إفادات شهود ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أشارت إلى تبني بعض الأساليب البسيطة المشابهة لما حدث في السابق مثل الهتاف “الله أكبر” و”الموت للديكتاتور” عادة من فوق أسطح المنازل وخلال تظاهرات ليلية.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى