تحقيقات

من الشركات إلى الشبكات: الوجه الاقتصادي الجديد للإخوان في الخارج


على مدى عقود طويلة، ارتبطت جماعة الإخوان في أذهان المتابعين بالنشاط الدعوي والسياسي والتنظيمي، إلا أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة دفعت الجماعة إلى إعادة صياغة أدوات عملها وآليات حضورها خارج حدود الدول العربية. ومع تراجع قدرتها على الحركة العلنية في عدد من الدول، برز النشاط الاقتصادي باعتباره أحد أهم المسارات التي اعتمدت عليها الجماعة للحفاظ على شبكاتها وتوسيع نفوذها وتأمين مصادر تمويل مستدامة بعيدة عن الأضواء.

وتشير معطيات وتقارير متعددة إلى أن الجماعة لم تعد تعتمد فقط على الجمعيات أو المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي والثقافي، بل أصبحت أكثر انخراطاً في مجالات الاستثمار والعقار والخدمات المالية والاستشارات الاقتصادية. هذا التحول لم يكن مجرد تغير في طبيعة النشاط. بل عكس استراتيجية أوسع تقوم على استخدام الاقتصاد كمنصة بديلة لإدارة العلاقات وتوسيع الحضور التنظيمي في الخارج.

ويلاحظ الباحثون في شؤون الحركات العابرة للحدود أن النشاط الاقتصادي يمنح الجماعات المنظمة مزايا متعددة لا توفرها الأدوات التقليدية. فالشركة الاستثمارية تستطيع التحرك ضمن الأطر القانونية للأسواق الدولية، كما أنها تتيح بناء علاقات واسعة مع المستثمرين .ورجال الأعمال والمؤسسات المالية، وهو ما يخلق مساحات تأثير تتجاوز في بعض الأحيان ما يمكن أن تحققه المنصات السياسية أو الإعلامية.

وتبرز أوروبا بوصفها إحدى أهم الساحات التي شهدت توسعاً في هذا النوع من الأنشطة. فالقارة الأوروبية توفر بيئة اقتصادية منفتحة. وتمنح المستثمرين حرية واسعة في تأسيس الشركات وإدارة الأعمال. كما أن وجود جاليات عربية وإسلامية كبيرة أسهم في خلق بيئة مناسبة لنمو مؤسسات اقتصادية تستهدف شرائح محددة من المستثمرين والعملاء.

وفي هذا السياق، ظهرت خلال السنوات الماضية مجموعة من الشركات التي تعمل في قطاعات العقار والاستثمار وإدارة الأصول، وتقدم نفسها باعتبارها كيانات اقتصادية متخصصة تسعى إلى توفير فرص استثمارية واعدة. غير أن بعض هذه الشركات أصبحت محل اهتمام إعلامي وبحثي بسبب ارتباط أسماء مؤسسيها أو مديريها بشخصيات معروفة بانتمائها أو قربها من جماعة الإخوان.

ومن بين النماذج التي أثير حولها الكثير من النقاش شركة “ياس للاستثمار والعقار” التي تتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقراً لها. وقد لفتت الشركة الانتباه بسبب اسمها الذي يحمل إيحاءات مرتبطة ببيئات اقتصادية ناجحة ومعروفة لدى المستثمرين الخليجيين والعرب، وهو ما اعتبره بعض المراقبين جزءاً من استراتيجية تسويقية تهدف إلى بناء الثقة وتعزيز الجاذبية التجارية للمشروع.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن عبد الرحمن الجابري يعد من أبرز الأسماء المرتبطة بهذه الشركة. ويكتسب حضوره أهمية خاصة بسبب ارتباطه بعائلة لعبت أدواراً بارزة في تاريخ الجماعة. ويذهب بعض المتابعين إلى أن أهمية هذه الشخصية لا ترتبط فقط بإدارة شركة بعينها. وإنما بموقعها داخل شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والتنظيمية التي تمتد عبر عدة دول.

وتظهر التقارير أن هذه الشبكات تعتمد بصورة كبيرة على الروابط الشخصية والعائلية في إدارة الأعمال. فالعلاقات الأسرية والمصاهرات تمثل، وفق عدد من الباحثين، أحد العناصر الرئيسية التي تضمن استمرار الثقة الداخلية وتماسك الشبكة. ولذلك كثيراً ما تتكرر أسماء مترابطة عائلياً داخل المؤسسات والشركات التي يجري ربطها بالتنظيم.

وفي هذا الإطار يبرز اسم أحمد الشيبة باعتباره أحد الشخصيات التي تتقاطع مع هذه الشبكة من خلال علاقات اجتماعية وتنظيمية متداخلة. وتشير تقارير إعلامية إلى وجود علاقة مصاهرة تربطه بعبد الرحمن الجابري، وهو ما يعكس نمطاً متكرراً يعتمد على تعزيز الروابط الداخلية عبر العلاقات العائلية. بما يضمن استمرار التنسيق والتفاهم بين مختلف مكونات الشبكة.

كما يظهر اسم حمد محمد الشامسي في سياق الحديث عن الشخصيات المرتبطة بهذه الدوائر. وتربط تقارير متعددة اسمه باجتماعات ولقاءات عقدت خارج المنطقة العربية وشارك فيها أفراد من خلفيات تنظيمية متقاربة. ويعتبر بعض الباحثين أن هذه اللقاءات تعكس استمرار محاولات إعادة بناء شبكات التواصل والتنسيق بين عناصر التنظيم الموجودة في الخارج.

وبعيداً عن الأفراد، تشير المعطيات المتاحة إلى وجود شبكة مؤسساتية أوسع تضم عدداً من الشركات والكيانات الاقتصادية التي تعمل في مجالات مختلفة. وتتنوع أنشطة هذه المؤسسات بين الاستثمار العقاري وإدارة المحافظ المالية والاستشارات الاقتصادية والخدمات التجارية. ورغم أن كل كيان يعمل بصورة مستقلة من الناحية القانونية، فإن وجود روابط مشتركة بين القائمين عليها أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقة التي تجمع بينها.

وتفيد بعض التقارير بأن هذه الشبكة تتكون من نحو ثلاث عشرة شركة ومؤسسة موزعة على عدد من الدول الأوروبية. ويمنح هذا الانتشار الجغرافي الشبكة قدرة أكبر على الحركة والتوسع. كما يوفر لها فرصاً متنوعة للوصول إلى أسواق مختلفة واستقطاب مستثمرين من خلفيات متعددة.

ويرى مراقبون أن أحد أبرز أسباب اختيار القطاع العقاري يتمثل في طبيعة هذا القطاع نفسه. فالعقار يمثل أحد أكثر المجالات قدرة على استيعاب رؤوس الأموال الكبيرة. كما أنه يوفر أصولاً طويلة الأجل يمكن الاحتفاظ بها لسنوات طويلة. إضافة إلى ذلك، يتيح القطاع العقاري فرصاً متعددة لتأسيس شركات جديدة وإطلاق مشاريع متنوعة تحت مظلة النشاط الاستثماري.

كما أن المحافظ الاستثمارية والصناديق العقارية أصبحت أدوات أساسية في هذا النموذج الاقتصادي. فهذه الكيانات تقدم نفسها على أنها منصات لإدارة الأموال وتحقيق عوائد للمستثمرين. لكنها في الوقت نفسه تتيح بناء شبكة واسعة من العلاقات المالية التي تمتد عبر الحدود.

ومن بين الأسماء التي تتكرر في هذا السياق شركة “نافل كابيتال”. التي يتم تقديمها باعتبارها منصة استثمارية متخصصة في المجال العقاري. وتركز الشركة في خطابها التسويقي على الفرص الاستثمارية والعوائد المتوقعة، مستهدفة شريحة من المستثمرين الباحثين عن تنويع محافظهم المالية والاستفادة من الأسواق العقارية الدولية.

ويرى بعض المتابعين أن التحدي الحقيقي في مثل هذه الحالات لا يتعلق بالمشروعات نفسها، بل بدرجة الشفافية المتوافرة حول هياكل الملكية والإدارة والعلاقات التي تربط بين القائمين عليها. فكلما ازدادت التشابكات بين الشركات والأفراد. أصبح من الصعب على المستثمر العادي تكوين صورة كاملة عن طبيعة الشبكة التي يتعامل معها.

وتشير تقارير دولية إلى أن التنظيمات الأيديولوجية الحديثة أصبحت أكثر اهتماماً ببناء مؤسسات اقتصادية احترافية، مستفيدة من أدوات العولمة المالية والتكنولوجيا الحديثة. فبدلاً من الاعتماد على مصادر التمويل التقليدية، يجري التركيز على الاستثمار وإدارة الأصول باعتبارهما وسيلتين أكثر استدامة وأقل إثارة للانتباه.

وفي المقابل، تواصل الجهات الرقابية والمالية في عدد من الدول تطوير آليات جديدة لتعزيز الشفافية ومكافحة غسل الأموال وتتبع التدفقات المالية المشبوهة. وتشمل هذه الجهود تبادل المعلومات بين الدول، وتعزيز متطلبات الإفصاح عن المستفيد الحقيقي من الشركات، ومراقبة التحويلات العابرة للحدود التي قد تثير الشكوك.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن حماية المستثمرين لا تتحقق فقط عبر القوانين واللوائح، بل تحتاج أيضاً إلى رفع مستوى الوعي. فالمستثمر الذي يكتفي بالنظر إلى الاسم التجاري أو الموقع الإلكتروني أو الحملات التسويقية قد يفوته فهم الخلفية الكاملة للمشروع الذي يضع فيه أمواله. ولذلك أصبحت عملية التحقق من هياكل الملكية وسجل المؤسسين جزءاً أساسياً من ثقافة الاستثمار الحديثة.

 

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو واضحاً أن النشاط الاقتصادي أصبح أحد أهم المجالات التي تتحرك من خلالها جماعة الإخوان وشبكاتها الخارجية. فبين الشركات العقارية، والمحافظ الاستثمارية، والمؤسسات المالية، تتشكل منظومة معقدة تجمع بين المصالح الاقتصادية والعلاقات التنظيمية والروابط الشخصية.

ورغم استمرار الجدل حول حجم هذه الشبكات ومدى تأثيرها الحقيقي، فإن المؤكد أن الاقتصاد بات يحتل موقعاً مركزياً في استراتيجيات الجماعات العابرة للحدود. ولم يعد الحديث عن النفوذ مقتصراً على السياسة أو الإعلام أو النشاط الدعوي. بل أصبح يشمل أيضاً الشركات والعقارات والاستثمارات التي توفر لهذه الجماعات موارد جديدة ومساحات أوسع للحركة.

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية والرقابة والتعاون الدولي، ليس فقط لحماية الأسواق المالية. بل أيضاً لضمان عدم تحول النشاط الاقتصادي المشروع إلى أداة تستخدمها التنظيمات المؤدلجة لإعادة إنتاج نفوذها وتمويل أنشطتها عبر الحدود.

وفي عالم تزداد فيه حركة الأموال تعقيداً وسرعة، ستظل القدرة على كشف هذه الشبكات .وفهم آليات عملها واحدة من أهم التحديات التي تواجه المؤسسات الرقابية والمالية خلال السنوات المقبلة.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى