مقابلة ديانا الأخيرة.. كلماتها الإنسانية ما زالت تهز قلوب العالم
قبل أيام قليلة من رحيلها المأساوي في 31 أغسطس/آب 1997، أقدمت ديانا، أميرة ويلز، على خطوة غير مسبوقة في تاريخ العائلة المالكة البريطانية
إذ أجرت ديانا الملقبة بأميرة القلوب مقابلة صحفية مطوّلة مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، تحدثت فيها بصراحة لافتة عن دورها الإنساني، وحملتها ضد الألغام الأرضية، ورؤيتها السياسية للعالم من حولها.
لم تكن المقابلة مجرد حوار صحفي عابر، بل تحولت إلى لحظة فاصلة هزّت المؤسسة الملكية، وأشعلت جدلًا دستوريًا واسعًا، قبل أن تصبح لاحقًا جزءًا أصيلًا من الإرث الإنساني للأميرة الراحلة.
ووفقا لصحيفة التايمز فقد كانت المقابلة، التي أجرتها الصحفية الفرنسية المخضرمة آنيك كوجان، الأخيرة في حياة ديانا، وجاءت في لحظة تحوّل عميقة تعيشها الأميرة بعد عام واحد من طلاقها من الأمير تشارلز.
ففي صيف 1997، كانت ديانا تسعى بوضوح إلى إعادة تعريف ذاتها، بعيدًا عن القيود الملكية، وبعيدًا عن الصورة التي فرضتها الصحافة البريطانية المهووسة بحياتها الخاصة، ولا سيما علاقتها العاطفية بدودي الفايد.
ورأت الأميرة الراحلة في عرض “لوموند” مساحة نادرة للحديث عن قناعاتها ورسالتها الإنسانية، ضمن سلسلة مقابلات جادة ضمت شخصيات عالمية من طراز ميخائيل غورباتشوف وليخ فاونسا، ما منحها شعورًا بالاعتراف بها كشخصية دولية ذات صوت مستقل.
وتصف كوجان اللقاء، الذي جرى في قصر كنسينغتون في يونيو/حزيران 1997، بأنه كان “أسهل” مقابلة أجرتها ذلك الصيف، حيث بدت ديانا، على حد قولها، “مرحة، طبيعية، وعفوية”، بعيدة تمامًا عن التكلف والبروتوكول.
وخلال اختيار صورة ترافق المقال، جلست الصحفية والأميرة على الأرض، في مشهد كسر رسميّات القصر، لتختار ديانا صورة تعود إلى عام 1996، تظهرها وهي تحتضن طفلًا مريضًا بالسرطان في لاهور، في تجسيد صريح للجوهر الذي أرادت أن يُختزل به حضورها العام.
وفي حديثها، لم تتردد ديانا في التعبير عن قربها العميق من عامة الناس، قائلة: “لهذا السبب أزعج بعض الأوساط. لأنني أقرب بكثير إلى الناس في القاع من الناس في القمة، وهؤلاء الأخيرون لا يسامحونني”.
وانتقدت بمرارة جمود الحياة داخل العائلة المالكة، مؤكدة أنه “منذ لحظة انضمامي لهذه العائلة، لم يعد بالإمكان فعل أي شيء بشكل طبيعي”، كما هاجمت الصحافة البريطانية التي وصفتها بـ“الشرسة”، معترفةً أن أي شخص عاقل في موقعها “كان سيغادر منذ زمن، لولا أبناؤها”.
غير أن أكثر ما فجّر العاصفة كان موقفها الصريح من السياسات الحكومية البريطانية بشأن الألغام الأرضية. فقد أشادت بحكومة حزب العمال بزعامة توني بلير، التي كانت قد تسلّمت السلطة قبل خمسة أشهر، معتبرة أنها “ستبذل جهودًا جبارة” في هذا الملف، في مقابل وصفها سياسة حكومة المحافظين السابقة بأنها كانت “يائسة”.
كلمات قليلة، لكنها كانت كافية لإشعال غضب المحافظين، الذين اتهموها بزجّ العائلة المالكة في المعترك السياسي، بينما ابتهج حزب العمال. وذهب الخبير الدستوري اللورد بليك إلى وصف التصريحات بأنها “أمر غريب للغاية لم يُسمع من أحد أفراد العائلة المالكة من قبل”.
وعقب وفاة الأميرة والفايد وجدت كوجان نفسها فجأة تحت أضواء الإعلام العالمي، بوصفها آخر صحفية أجرت مقابلة مع الأميرة.
وعلى الرغم من أن اللقاء ذاته ظل في ذاكرتها “ذكرى سعيدة”، فإن المأساة التي أعقبته دفعتها إلى تجاهل الموضوع لسنوات طويلة، قبل أن تعود إليه لاحقًا عبر رواية مصوّرة بعنوان “ديانا: اعترافات أميرة متمردة”، من تأليف صوفي كوتورييه ورسوم ساندرينا ريفيل.
واليوم، يبقى الأثر الأعمق لتلك المقابلة محفورًا في كلمات اختارتها عائلة سبنسر لتُنقش على النصب التذكاري للأميرة في ألتورب، والمأخوذة حرفيًا من حديثها مع لوموند:
“لا شيء يُسعدني أكثر من محاولة مساعدة أشد الناس ضعفًا في المجتمع. إنه هدف وجزء أساسي من حياتي، أشبه بمصير. من يحتاج إلى العون فليطلب مساعدتي، سأهرع إليه أينما كان”.
كلمات تختصر روح ديانا، وتحوّل مقابلتها الأخيرة من مجرد سبق صحفي إلى شهادة إنسانية خالدة، لامرأة اختارت أن تكون أقرب إلى “الناس في القاع”، مهما كان الثمن.







