سياسة

مفاوضات فيينا.. فرصة جديدة أم إخفاق مكرر؟

د. طارق فهمي


السؤال المطروح حاليا: هل الولايات المتحدة جادة في استخدام كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة للتعامل مع خطر إيران في الوقت الراهن؟

يأتي هذا التساؤل مع تأكيدات وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، أن الولايات المتحدة “قادرة على نشر قوة ساحقة في الشرق الأوسط”، واستعداد واشنطن للجوء إلى خيار عسكري إذا لزم الأمر، وأن المحادثات مع إيران بشأن الامتثال للالتزامات المتفق عليها، بموجب الاتفاق النووي المبرم عام 2015، ربما لن تؤدي إلى حل إيجابي، وأن واشنطن ستنظر في كل الخيارات الضرورية حال فشل الدبلوماسية في وقف البرنامج النووي الإيراني.

مفاوضات فيينا منوط بها أن تصل إلى تفاهمات حقيقية، وليس الجلوس لتفاوض مفتوح على سيناريوهات متعددة، وهو ما يجب وضعه في الاعتبار، خاصة أن الخطاب الرسمي لإيران لم يتغير، بل يدور في جملة مراوغات تكررت في جولات المفاوضات السابقة، وما لم يحدث اختراق حقيقي في جدول الأعمال المقترح لمفاوضات فيينا، فإن شيئا جديدا لن يحدث، وسنستمر في الدوران بحلقة واحدة من التقديرات والحسابات الخاطئة، وهو ما يجب أن تنتبه له الإدارة الأمريكية في ظل حالة من التجاذب والتباين الكبير داخل الكونجرس حول الخطوة التالية في التعامل مع إيران، فضلا عن ضغوطات تتعرض لها الإدارة الأمريكية من إسرائيل ومسعاها لإفشال خطوة التفاوض، مع إبداء العديد من التحفظات الحقيقية على النهج الأمريكي في التفاوض، وهو الأهم في هذا السياق.
رد الفعل الإيراني لا يحمل جديدا، حيث أشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، إلى أن إيران لن تثق بتوقيع الرئيس الأمريكي، “بايدن”، على رفع العقوبات المفروضة عليها، وأن شرط عودة إيران إلى الاتفاق النووي هو رفع العقوبات بشكل فعال والتحقق من ذلك، وتوقيع الرئيس الأمريكي “غير موثوق به”، لذلك من الطبيعي أن تطلب إيران ضمانات ضرورية.

فعليا تدور التطورات الحالية قبل استئناف مفاوضات فيينا في سياقات محددة..

أولها: فرض الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة إيرانية وستة قراصنة يعملون لدى الشركة بتهمة “محاولة التأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020″، على اعتبار أن الشركة والأفراد المدعومين من حكومة إيران سعوا للتشكيك في ثقة المواطنين الأمريكيين، الذين صوّتوا في الانتخابات، وأن الشركة والأفراد الإيرانيين المتهمين نشروا معلومات كاذبة على الشبكات الاجتماعية وأرسلوا رسائل تهديد بالبريد الإلكتروني، وهو إجراء في مضمونه يعد رمزيا وليس إجراء رادعا، ما يشير إلى أن الإدارة الأمريكية تتباطأ في استمرار نهج العقوبات بالمعنى المعروف.

ثانيها: إن الحاجة للتوصل إلى صيغة جديدة للاتفاق النووي يجري العمل عليها في الاتفاق، لتلافي السلبيات، التي يعانيها الاتفاق الحالي.. وقد كان  واضحا أيضاً أن وزير الخارجية الإيراني تحدث فعليا عن “اتفاق جديد”، في إشارة أخرى إلى أن هناك اتجاهاً لدى القوى المعنية في المفاوضات لعدم التعويل على الاتفاق الحالي، وأن البديل يجب أن يكون “جديدا”، لأنه حتى الآن، من واقع ما يجري أمريكيا وما يقابله إيرانيا، فإن الهدف الأمريكي المعلن من استئناف المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران كان معرفة كيف يمكن للبلدين إحياء اتفاق 2015 النووي، لكن هدف واشنطن غير المعلن قد يكون كسب دعم الصين وروسيا للضغط على طهران إذا فشلت المحادثات، على أساس أن الوقت ينفد لإحياء الاتفاق، الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، في 2018.

ثالثها: عملت الدول الأوروبية الكبرى جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة لمحاولة العودة إلى الاتفاق، وكانت روسيا داعمة، لا سيما في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تراقب امتثال إيران المتراجع للاتفاق، ومع ذلك، قوّضت الصين النفوذ الأمريكي بشراء النفط الإيراني، ما منح طهران شريان حياة اقتصادياً في انتهاك العقوبات الأمريكية، ومن ثم فإن إن إحدى طرق الضغط على إيران للعودة إلى الاتفاق الأصلي، أو قبول ترتيب آخر، هو إقناع بكين وموسكو بأن طهران هي العقبة وليست واشنطن.

وستكون محادثات هذا الشهر فرصة لمعرفة ما إذا كانت إيران تريد إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة في الاتفاق النووي، وإذا لم يحدث، فإن واشنطن ستحاول حشد دعم أكبر من الصين، وبدرجة أقل من روسيا، للضغط على طهران، فالقوى الكبرى ترى أنه كلما زاد تماسكها زادت فرص إعادة إيران إلى الاتفاق النووي.

رابعها: أن الإدارة الأمريكية تدرس فكرةَ التوصل إلى “اتفاق مؤقت” مع إيران لكسب مزيد من الوقت من أجل المفاوضات النووية، على اعتبار أن التقدم النووي المطرد لإيران جعلها قريبة جداً من مستويات تخصيب اليورانيوم اللازمة لصناعة سلاح نووي.

ويركز هذا الطرح الأمريكي حول “اتفاق مؤقت” في مضمونه على إيقاف إيران بعض خطواتها “على سبيل المثال تخصيب اليورانيوم إلى 60%”، مقابل أن تفرج الولايات المتحدة وحلفاؤها عن بعض الأموال الإيرانية المجمَّدة أو تقديم إعفاءات من العقوبات على السلع الإنسانية.

ولا يحظي هذا المقترح بقبول إسرائيلي بسبب التوجس من أن أي اتفاق مؤقت قد يصبح اتفاقاً دائماً يُتيح لإيران الحفاظ على بنيتها التحتية النووية ومخزون اليورانيوم لديها، وهو ما يقابل إيرانيا بتأكيد أنه على الولايات المتحدة أن تعوّض إيران عن خسائر انسحابها من الاتفاق، وأن ترفع جميع العقوبات، ليس النووية فقط، المفروضة على إيران دفعة واحدة، وليس على مراحل، وتقديم ضمانات على أن أي إدارة أمريكية قادمة لن تتراجع عن الاتفاق كما فعلت الإدارة الأمريكية السابقة.

الخلاصة أن المفاوضات المقبلة في فيينا، كل السيناريوهات فيها واردة، وكل الخيارات محتملة، ما يعني أن المواقف أو التوجهات كلها قد تُطرح في  وقت لاحق، رغم وجود رغبة في الوصول إلى تسوية تُنهي الأزمة النووية الحالية، لكن كيف يتم ذلك في ظل اتساع رقعة التفاوض؟

يبدو أن كل الأطراف المعنية بالوصول إلى التفاوض لن تترك ما يمكن أن تستخدمه لتحسين شروط الجلوس والتفاوض، مع تمسك الطرفين الأمريكي والإيراني بالسقوف العالية للشروط، التي وُضعت أمام عجلة إعادة إحياء الاتفاق النووي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى