سياسة

مضيق هرمز بين التهديدات الإقليمية وحماية حرية الملاحة


مع تصاعد الإرهاب الإيراني في مضيق هرمز، حذر تحليل من استمرار هذا التهديد كي لا يتحول إلى نموذج يتكرر في مناطق أخرى بالعالم، ما يسمح بأن تكون الممرات المائية الاستراتيجية أداة في الصراعات الجيوسياسية.

ووفق تحليل لـ«فورين أفيرز»، فإن منطقة آسيا تعد نموذجا مثاليا لتكرار تجربة هرمز، حيث تمر عبر المضائق البحرية هناك النسبة الأكبر من التجارة العالمية والطاقة وسلاسل توريد التكنولوجيا وأشباه الموصلات.

نموذج متكرر

ولطالما استُخدم مضيق هرمز في الصراعات ففي عام 1951، وبعد أن أممت طهران صناعة النفط، استخدمت بريطانيا الضغط البحري لمنع إيران من تصدير النفط.

وخلال «حرب الناقلات» عام 1984، زرعت إيران ألغاماً في مضيق هرمز وضيّقت على السفن رداً على الهجمات العراقية. ومع ذلك، ظل مضيق هرمز مستخدماً طوال هذين النزاعين.

لكن ما تكشفه أزمة هرمز الحالية بوضوح هو أن إغلاق المضائق أصبحت عواقبه أكثر اتساعاً.

فالتقنيات منخفضة التكلفة نسبياً ــ بما في ذلك أنظمة المراقبة الساحلية، والصواريخ الساحلية المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، والزوارق السطحية غير المأهولة، والألغام ــ تتيح الآن للدول الأضعف تعطيل الملاحة على نطاق واسع.

آسيا.. مرشح مثالي

وبالنسبة لآسيا، فإن المخاطر أكبر بكثير؛ حيث تقع الممرات المائية الآسيوية على خطوط التجارة والطاقة وسلاسل توريد أشباه الموصلات العالمية.

ومن خلال إظهار إمكانية ــ حتى بالنسبة لقوة أضعف ــ استخدام نقطة اختناق كسلاح، وكذلك استعداد الدول القوية لفرض وتحمل تكاليف واسعة النطاق، قد تشجع أزمة هرمز على اتباع تكتيكات مشابهة عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وقد يتخذ ذلك شكل قيود أمريكية على المرور عبر مضيق ملقا، أو حصار صيني لمضيق تايوان، أو منع أمريكي ـ فلبيني للعبور عبر مضيق لوزون، وقد يمتد الضغط على نقاط الاختناق الرئيسية هذه إلى الممرات الثانوية أيضاً.

وتشير التطورات الأخيرة في الأرخبيل الإندونيسي، والتي مرت إلى حد كبير بعيداً عن الأنظار، إلى أن واشنطن وبكين تتوقعان بشكل متزايد حدوث اضطرابات وتسعيان للمنافسة على الممرات البحرية الثانوية في آسيا.

مضائق خطيرة

ووفق المجلة فإنه لا يوجد مكان يُرجَّح أن تكون فيه عواقب استخدام المضائق كسلاح أكبر من آسيا. فمضيق ملقا، الذي لا يتجاوز عرضه 1.5 ميل بحري في أضيق نقطة، يمر عبره ما يصل إلى 40% من التجارة العالمية و80% من واردات الصين من الطاقة.

وتجاوز هذا المضيق يتطلب الالتفاف عبر الممرات الإندونيسية الثانوية أو حول أستراليا، ما يضيف وقتاً وتكاليف ومخاطر كبيرة.

وفي عام 2003، وصف الرئيس الصيني هو جينتاو اعتماد الصين على هذا الطريق بأنه «معضلة ملقا».

وتزيد أحداث هرمز الأخيرة من حدة هذه المخاوف. ومن المرجح أن تكثف بكين خططها لتقليل اعتمادها على مضيق ملقا عبر توسيع خطوط الأنابيب البرية عبر ميانمار وروسيا وآسيا الوسطى، وزيادة وصولها إلى موانئ المحيط الهندي، وتطوير طرق الشحن عبر القطب الشمالي.

وسيكون لتعطيل هذا الشريان الحيوي تداعيات تتجاوز الصين بكثير. فمضيق ملقا هو الممر البحري الرئيسي الذي يربط مراكز التصنيع في شرق آسيا بأسواق أوروبا والشرق الأوسط؛ وإغلاقه سيقطع سلاسل التوريد العالمية الحيوية، ويؤدي إلى صدمات اقتصادية كلية، ويضر بالاقتصاد الأمريكي.

كما تُبرز أزمة هرمز كيف يمكن تحويل المضائق إلى مصدر نفوذ مالي. ورغم أن الدول المطلة على مضيق ملقا لا مصلحة لها في إغلاقه، فإن فرض رسوم عبور ــ ربما تحت غطاء رسوم بيئية ــ مسألة مختلفة.

فسنغافورة تحصد الحصة الأكبر من القيمة التجارية للعبور عبر خدمات الموانئ وإعادة الشحن، لكن حكومة قومية أو شعبوية في إندونيسيا أو ماليزيا قد تقرر جني أرباح من الشحن التجاري.

وقد لمح وزير المالية الإندونيسي مؤخراً إلى احتمال فرض رسوم عبور، قبل أن يتراجع وزير الخارجية سريعاً عن التصريح.

الميزة العملياتية

كما هو الحال في مضيقي هرمز وملقا، فإن أي اضطراب في مضيق تايوان، الذي تمر عبره % من التجارة البحرية العالمية، سيهدد التجارة الدولية. لكن الحصار في مضيق تايوان يحمل خطراً مميزاً.

فتايوان لا تزال المنتج الأكبر عالمياً لأشباه الموصلات المتقدمة، وأي حصار سيقيد وارداتها من الطاقة والمواد الخام ويوقف صادرات الرقائق الحيوية لسلاسل التوريد العالمية.

وعلى عكس الصين، التي تبني طرقاً بديلة لتقليل اعتمادها على مضيق ملقا، تفتقر تايوان إلى بديل جغرافي: فموانئها الرئيسية تقع على الساحل الغربي المواجه للمضيق، بينما تعقد طبيعة الجزيرة الجبلية النقل بين الشرق والغرب.

وفي حال وقوع حصار، ستُشل الصناعات التكنولوجية والإنتاج الدفاعي حول العالم، ووفقاً لوكالة بلومبرغ، قد يُمحى ما نسبته 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وقد أثرت هذه الحقائق التكتيكية بالفعل في التموضعات العسكرية في آسيا. فالتطورات في هرمز تؤكد صحة استراتيجية الصين المعروفة بمنع الوصول/الحرمان المناطقي، التي تهدف إلى تقييد وتعقيد عمليات الخصوم في المياه المحيطة بالصين عبر أنظمة صاروخية وبحرية وجوية ومراقبة متعددة الطبقات، وكذلك نهج تايوان «القنفذي» القائم على أنظمة متنقلة وموزعة لردع أي غزو.

ورغم أن مضيق تايوان أوسع بكثير من هرمز ــ إذ يبلغ عرضه نحو 70 ميلاً بحرياً في أضيق نقطة ــ فإن المبدأ الأساسي يبقى قائماً: المضائق أصول استراتيجية لا يجب السماح باستخدامها كسلاح فعّال.

وفي الجنوب، ركزت المناورات الأمريكية ـ الفلبينية على تطوير قدرات منع محلية في مضيق لوزون، الذي يربط بحر الصين الجنوبي بالمحيط الهادئ وتسمح أعماقه بمرور الغواصات دون اكتشافها.

ويعد المضيق بوابة حيوية للشحن التجاري والتحركات البحرية بين شرق آسيا والمحيط الهادئ، وسيصبح طريقاً بديلاً أساسياً إذا تعطلت الملاحة عبر مضيق تايوان. وقد ردت بكين مؤخراً بمناورات بالذخيرة الحية، ما يبرز الأهمية الاستراتيجية للمضيق.

ونظراً لأن مضيقي تايوان ولوزون أوسع من 24 ميلاً بحرياً، فإنهما يحتويان على ممرات متصلة ضمن المناطق الاقتصادية الخالصة تُطبق فيها حريات أعالي البحار.

وأي حصار لهذه الممرات أو تعطيل غير مبرر للعبور عبرها يُعد انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي.

ومع ذلك، تشير الأنشطة العسكرية في هذين المضيقين وحولهما إلى أن القيمة الاستراتيجية للسيطرة عليهما قد تتجاوز القيود القانونية في أوقات الأزمات.

تحركات في المضائق

ووفق «فوين أفيرز» فإن أي اضطراب في المضائق ذات الحركة الكثيفة يزيد الضغط على الطرق الثانوية، ما يخلق نقاط ضعف جديدة.

وإذا تعرض مضيق ملقا لقيود، فسيتعين تحويل حركة الملاحة عبر الأرخبيل الإندونيسي، بما في ذلك مضيق سوندا بين سومطرة وجاوة، ومضيق لومبوك بين بالي ولومبوك.

ويبدو أن بكين وواشنطن تتوقعان بشكل متزايد اضطرابات في نقاط الاختناق الرئيسية وتتحركان بهدوء لكسب ميزة في هذه المياه.

ففي أوائل أبريل/نيسان، اكتشفت جاكرتا مركبة غير مأهولة تحت الماء يُشتبه بأن مصدرها صيني في مضيق لومبوك، ما يشير إلى اهتمام صيني متزايد بهذا الممر.

ويخضع العبور في المياه الأرخبيلية لنظام «العبور عبر الممرات البحرية الأرخبيلية» بموجب اتفاقية قانون البحار، الذي يضمن الملاحة والطيران المستمرين دون عوائق عبر الممرات المحددة أو الطرق «المستخدمة عادة للملاحة الدولية».

وخارج هذه الممرات، تتمتع السفن فقط ــ وليس الطائرات ــ بحق «المرور البريء»، الذي يمكن تعليقه عندما يكون ذلك «ضرورياً» للأمن، كما يتطلب من الغواصات الإبحار على السطح.

ويجعل تركيز الحركة في ممرات متوقعة السفن والطائرات أسهل في التتبع والاستهداف.

وإدراكاً لهذه الهشاشة، سعت واشنطن إلى إبرام اتفاق شامل للتحليق الجوي مع إندونيسيا لضمان الوصول إلى طرق بديلة. لكن الحساسية المحيطة بهذه الصفقة شديدة.

ففي منتصف أبريل/نيسان، وقبل أيام من توقيع الاتفاق التشغيلي، سربت وسيلة إعلام هندية خبر الصفقة.

وحذرت وزارة الخارجية الإندونيسية وزارة الدفاع من أن الاتفاق قد يخلق «انطباعاً بأن إندونيسيا منخرطة في تحالف» وقد يورطها في «وضع نزاع إقليمي»، بما في ذلك صراع في بحر الصين الجنوبي.

ولا يزال مصير الاتفاق غير واضح. وفي المقابل، حذرت بكين من أن الترتيب قد ينتهك ميثاق رابطة دول جنوب شرق آسيا.

ما الحل لتجنب تكرار الأزمة؟

ولتفادي تكرار أزمة هرمز، اعتبرت تحليل «فورين أفيرز» أنه لا يمكن للدول التي تعتمد على حرية العبور أن تفترض ببساطة أن القواعد التي تحكم الممرات المائية الاستراتيجية ستستمر تلقائياً في مواجهة الاعتداءات.

وأكد أنه يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها اتخاذ خطوات عاجلة لتقليل هشاشة نقاط الاختناق في آسيا.

كما ينبغي لواشنطن وحلفائها وشركائها تعزيز قدرات الوعي البحري والاستجابة في تايوان وغيرها من الدول البحرية الرئيسية، بما في ذلك إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، التي تستضيف منشآت لوجستية أمريكية، لرصد وردع الأنشطة الرامية إلى تعطيل الممرات المائية الاستراتيجية، مثل زرع الألغام.

ويجب التنسيق بشأن عمليات بحرية تهدف إلى الحفاظ على العبور عبر المضائق المتنازع عليها أثناء الأزمات، بما يبعث رسالة مفادها أن محاولات تقييد العبور ستواجه برد جماعي.

ولمعالجة تركّز حركة الملاحة، خصوصاً عبر مضائق ملقا وتايوان ولوزون، ينبغي لواشنطن العمل مع حلفائها وشركائها على تطوير موانئ المياه العميقة الثانوية في الفلبين وفيتنام وعلى الساحل الشرقي للهند.

وإذا تعطل مضيق ملقا، فستشكل هذه الموانئ نقاط تزويد مهمة للسفن المحولة عبر الأرخبيل الإندونيسي.

كما يجب مضاعفة الجهود الأمريكية الرامية إلى توزيع إنتاج أشباه الموصلات المتقدمة على دول حليفة مثل ألمانيا واليابان، لتقليل الاعتماد العالمي على الإنتاج المتركز في تايوان.

ولتعزيز الردع، يمكن لواشنطن وحلفائها الالتزام مسبقاً بفرض عقوبات اقتصادية رداً على أي تعطيل غير قانوني للعبور عبر الممرات المائية الرئيسية في آسيا.

ويجري بالفعل تنفيذ العديد من هذه الإجراءات، لكن أحداث مضيق هرمز تؤكد مدى إلحاحها. ويتطلب تنفيذها رأس مال دبلوماسي ــ وهو مورد نادر في ظل تدهور علاقات واشنطن مع الحلفاء والشركاء، ما يقوض التحالفات اللازمة للحفاظ على حرية الوصول.

وإلى جانب هذه التدابير الجماعية، ينبغي لواشنطن تعزيز موقعها القانوني والدبلوماسي عبر الانضمام أخيراً إلى اتفاقية قانون البحار، وهي توصية يتم تجاهلها باستمرار رغم أهميتها.

كما يجب على الولايات المتحدة مواءمة خطابها وممارساتها مع القانون الدولي. ومن شأن هذه الخطوات مجتمعة أن تعزز مصداقية الولايات المتحدة عند مواجهة الإجراءات التي تقوض الحقوق البحرية، وأن تشير إلى التزام متجدد بالقواعد المنظمة للممرات المائية الاستراتيجية.

واختتم التحليل بالتأكيد على أن غياب دفاع مستدام عن حقوق العبور وحرية البحار ــ وردع قوي لمن يقوضونها ــ قد يسمه بتكرار الديناميكيات نفسها عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ونظراً للحجم الهائل للتجارة العالمية المعتمدة على المرور غير المنقطع عبر نقاط الاختناق الإقليمية، فإن تحويل الممرات المائية الآسيوية إلى سلاح سيؤدي إلى عواقب كارثية، ولهذا لا يجب السماح لإيران باستمرار تهديد هرمز.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى