سياسة

“محاضن التربية” عند “الإخوان المسلمين”

منير أديب


خطورة تنظيم الإخوان المسلمين تبدو في حواضن التربية، التي تتلقّف العضو “المحتمل” وتزرع بداخله كل قيم التنظيم.

هذه القيم يتم تأصيلها بداخل المستهدف على مراحل، ثم يتم اختباره حتى يطمئن مسؤولو التربية أنه تشرّبها فصارت جزءًا من تكوينه العقائدي والحركي.
التربية عند “الإخوان” بمثابة التُّربة، التي يتم تمهيدها حتى يخرج العضو “العامل” وفق شروط التنظيم، وهنا يبدو أعضاء التنظيم نُسخاً مكررة من بعض، فجميعهم استقوا الأفكار من مَعين واحد، هذا المعين هو الذي يُشكّل عقل التنظيم ووجدانه، وهنا لا نستغرب حالة التشابه بين أعضاء وعضوات التنظيم في كل مكان.

مناهج التربية هي التي تُشكل الشخصية الإخوانية على مستوى السلوك والأفكار والقناعات أيضًا، فجاء في كتاب “الرشاد”، الذي يحوي منهجا تربويا يُدرَّس لـ”المحب” و”المنتسب”، وهي أولى درجات العضوية في تنظيم الإخوان، ضرورة أن يكون “الأخ” في يد أخيه “كالميّت بين يدي مُغسّله”، وهنا تصوغ المناهج التربوية عقل الأتباع في بدايات تشكُّلهم على السمع والطاعة وعدم النقاش نهائيا.

المفهوم، الذي يزرعه التنظيم في كتاب “الرشاد”، تجده يكرره في بقية كتب التربية الإخوانية الأخرى، منها “مبادئ الإسلام” و”رحاب الإسلام” و”نور الإسلام”، وكلها تلعب على فكرة السمع والطاعة في المنشط والمَكْرَه -أي فيما يكرهُ العضو- دون نقاش، فكلما كنتَ قليلَ الجدال مطيعًا دون نقاش كنتَ أقرب إلى عضوية التنظيم، وبالتالي الحصول على لقب “أخ عامل”، وهي الدرجة التنظيمية الأهم، التي تبايع فيها “المرشد” أو مَن ينوب عنه، ومعها يُصبح لك الحق في عضوية أي من مؤسسات التنظيم ويتم تكليفك بمسؤوليات أكبر.

مناهج التربية داخل تنظيم الإخوان هي التي تصوغ مفهوم العنف لدى الأتباع، وتُشدد هذه المناهج على وصول مفاهيم العنف للأعضاء في مراحل “محب” و”منتسب” و”منتظم”، حتى إذا ما قررت استخدامه بشكل “حركي” كان الأعضاء جاهزين، والجاهزية هنا من ناحية الاستعداد الروحي والعقلي أولًا، ومن ناحية القبول بقرار التنظيم مهما كان ثانيا، فالعضو تربَّى على أفكار السمع والطاعة في المَكْرَه، ولا يبقى إلا ممارسة العنف بدرجاته، وهو أمر يحدده التنظيم.

“الإخوان” أخطر التنظيمات، التي تستغل الدين، على الإطلاق، وتبدو خطورته في خلطه بين العمل الدعوي والعنف.. لقد عمل بهذه الحالة فترة طويلة، بل وجد مَن يدافع عن حقه في المشاركة السياسية بجهلٍ، ولم يدركوا أن الإخوان يختلفون عن التنظيمات، التي أنشأت أجنحة مسلحة لها ورهنت عملها بالعنف المباشر، بأن تلافَى الإخوان العلانية واستتروا بعُنفهم هربا من المواجهة الشعبية، فقد كانوا يراوحون بين العمل العنيف وبين ما يسمونه “ممارسة الدعوة”، ومراتٍ كانوا يجمّدون ممارسة العنف الجنائي أو يرجئون استخدامه، وهذا ما فعله مؤسس التنظيم حسن البنا، الذي قرر إنشاء جناح مسلح للتنظيم عام 1939، أي بعد أكثر من 10 سنوات من نشأة التنظيم نفسه في عام 1928، وعندما كان رد الدولة المصرية قويًا على ممارسة التنظيم للعنف، حَلّ التنظيم وقتها تشكيلاته المسلحة وبحث عن صورة أخرى للعنف، كانت أكثر وضوحًا بعد عام 2013 بإنشاء ما سُمي “حركة سواعد مصر” و”حسم” و”لواء الثورة”، وغيرها من المليشيات.

علاقة الإخوان بالعنف واضحة وضوحًا لا لبس فيه، غير أن التنظيم تعامل بدهاء اختلط على كثير من الناس، ومن يريد أن يقرأ تفاصيل علاقة التنظيم بالعنف عليه أن يطلع على المناهج التربوية للإخوان، التي زرعت مفاهيم العنف والكراهية تحت تسميات مزيفة للتمويه والتغطية على الهدف الأعلى، وهو ترويج لمفاهيم مسمومة تتلاعب بالنص الديني، لترسيخ فهم الإخوان للدين، وليس حقيقة الدين نفسه.

داخل الإخوان نجد مصطلح “الكتيبة”، وهي وسيلة من وسائل التربية عند الإخوان، وكما يُفهم من الاسم، فالمصطلح أصله عسكري، إذ يتم إعداد الأعضاء في “اجتماع الكتيبة” إعدادًا بدنيًا وذهنيا على العنف، فيعيش الأعضاء حياة التقشف والأوامر الإخوانية التي لا علاقة لها لا بجهاد نفس ولا بأي دين، وقد شدد مؤسس التنظيم، حسن البنا، على تدريس رسالة التعاليم لأعضاء الإخوان، وعمّمها مرشد الإخوان الخامس، مصطفى مشهور، أحد قادة النظام الخاص، المسلح، وأمر أيضا بتدريسها لكل أعضاء التنظيم، دون استثناء.

لقد أنشأ الإخوان جناحهم المسلح تحت اسم “النظام الخاص”، فحسن البنا نفسه عندما كتب “رسالة التعاليم” وجّه إياها إلى “إخوان الكتائب” قائلا: “هذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان”.. ثم ختمها بـ”إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجّه دعوتي”.

ولدى تنظيم الإخوان أيضا مفهوم “الأسرة” كأحد أهم وسائل التربية، وهي تعتبر همزة الوصل بين العضو والتنظيم، فالعضو يتواصل مع تنظيمه من خلال “الأسرة”، التي يكون عضوًا فيها مع 4 أو 5 أفراد، يكون لهم نقيب مسؤول.

هذه الأسرة، يتشرّب فيها عضو الإخوان مفاهيم العنف ويبني عبرها علاقته بالتنظيم، من تنميط شخصيته، ونسخها، وتكرارها كأنك ترى نُسخا من حسن البنا أو أي مرشد إخواني.

“محاضن التربية” هو التجمع الأخطر، الذي ينفث فيه التنظيم الإخواني أفكاره، وهذه المناهج لا بد من تفكيكها والرد على كل ما تزرعه لدى المستهدفين، أو ما تحاول تسويقه وترويجه وسط المُغرّر بهم.. هذا المجهود يحتاج إلى قراءة واعية وتفكيك أكثر وعيًا للمناهج التي وضعها التنظيم لأتباعه.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى