ما وراء الجليد… دوافع تجارية لاهتمام ترامب بغرينلاند وكندا
يمكن وضع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند وكندا والممرات البحرية في القطب الشمالي، في إطار أوسع: المنافسة مع الروس.
ووفق موقع مجلة ريسبونسيبل ستيت كرافت، لم تعد تصريحات ترامب في هذا الصدد، بوصفها مواقف عابرة أو استفزازات سياسية، بل باعتبارها تعبيرًا عن قلق أمريكي متزايد من الهيمنة الروسية المتسارعة على هذه المنطقة الحيوية.
فخلف الخطاب الصاخب، تتكشف معادلة جيوسياسية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والمناخية، في وقت يحوّل فيه ذوبان الجليد القطب الشمالي إلى ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الكبرى.
ووفقا لموقع مجلة ريسبونسيبل ستيت كرافت، لم يعد القطب الشمالي ذلك الفضاء الجليدي النائي، بل بات بفعل التغير المناخي مركز جذب استراتيجي.
وقد عبّرت الولايات المتحدة عن هذا التحول بوضوح في استراتيجيتها للقطب الشمالي لعام 2024، الصادرة في عهد إدارة جو بايدن، والتي أكدت أن تراجع الجليد البحري جعل الممرات المائية الحيوية أكثر قابلية للملاحة وأكثر أهمية من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية.
هذا التحول البنيوي يفسر تصاعد اهتمام واشنطن وموسكو، على حد سواء، بالمنطقة.
وتتمتع روسيا بأفضلية جغرافية واضحة في هذا الصراع؛ إذ تمتد سواحلها القطبية لنحو 15 ألف ميل، أي أكثر من نصف إجمالي ساحل القطب الشمالي، مقابل نحو 1060 ميلًا فقط للولايات المتحدة.
وقد عززت موسكو هذا التفوق ببناء ما يقرب من 450 موقعًا عسكريًا جديدًا خلال السنوات الست الماضية، فضلًا عن اعتمادها على القطب الشمالي كقاعدة رئيسية لردعها النووي الاستراتيجي القائم على الغواصات.
وفي ظل الحرب في أوكرانيا، ازدادت أيضًا المناورات العسكرية الروسية-الصينية في المنطقة، رغم أن موسكو لا تزال تحاول التقليل من شأن هذا التعاون.
في المقابل، يبقى الوجود العسكري الأمريكي في القطب الشمالي محدودًا نسبيًا، وهو ما يفسر الأهمية الخاصة التي يوليها ترامب لغرينلاند. فمن وجهة نظره، قد يؤدي ضم الجزيرة إلى توسيع الوجود الأمريكي في المنطقة بشكل جذري، وتعويض الفجوة الجغرافية مع روسيا، إضافة إلى تأمين مواقع استراتيجية ونقاط اختناق بحرية حاسمة.
كما تنبع هذه الرؤية من مخاوف أمريكية من قدرة الدنمارك، رغم كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، على الدفاع عن غرينلاند نظرًا لبعدها الجغرافي ومحدودية قدراتها العسكرية مقارنة بدول أخرى مثل فنلندا والسويد.
ولا يقتصر الصراع على البعد العسكري، إذ تشكل طرق الشحن المستقبلية أحد أهم محركات التنافس. فقد قطعت روسيا شوطًا كبيرًا في تطوير “طريق البحر الشمالي”، الذي يربط أوروبا بشرق آسيا عبر القطب الشمالي، ويقلص مسافات الشحن بنحو الثلث مقارنةً بقناة السويس، ويخفض زمن الإبحار إلى النصف تقريبًا.
وتفرض موسكو سيطرة شبه كاملة على المنطقة الاقتصادية الخالصة التي يمر بها هذا الطريق، ما يمنحها نفوذًا تجاريًا واستراتيجيًا متزايدًا.
في المقابل، يُعد “الممر الشمالي الغربي” الممتد فوق كندا وألاسكا خيارًا واعدًا للولايات المتحدة، إذ يمكنه تقليص نحو 3500 ميل بحري من مسارات الشحن مقارنة بقناة بنما. غير أن هذا الممر يظل محل نزاع قانوني طويل الأمد بين كندا، التي تعتبره مياهاً داخلية، والولايات المتحدة، التي تصر على اعتباره ممرًا دوليًا.
وفي هذا السياق، قد تمنح السيطرة الأمريكية على غرينلاند، واشنطن قدرة على التحكم في نقطتي الاختناق الرئيسيتين للممر، في مضيق بيرينغ والمحيط الأطلسي، ما يضعف الموقف الكندي ويدعم الرؤية الأمريكية.
وتكتسب غرينلاند أهمية إضافية بالنظر إلى ثرواتها الطبيعية المحتملة. فالقطب الشمالي الروسي يوفر حاليًا نحو 80 في المائة من إنتاج الغاز الروسي و20 في المائة من نفطه، فيما تشير التقديرات إلى أن غرينلاند تحتوي على احتياطات كبيرة من المعادن النادرة والاستراتيجية، الضرورية لصناعات الإلكترونيات والطاقة النظيفة والتقنيات العسكرية المتقدمة.
هذا البعد الاقتصادي يجعل المنطقة هدفًا للاستثمار والسيطرة، بقدر ما هي ساحة للمنافسة العسكرية.
في هذا الإطار، يمكن فهم التصريحات الأمريكية المتكررة بشأن “السفن الروسية القريبة من غرينلاند”. فترامب لا يشير بالضرورة إلى تهديد عسكري مباشر، بقدر ما يسلط الضوء على النشاط التجاري الروسي المتزايد، الذي يعكس تقدّم موسكو الكبير في سباق الشحن القطبي.
كما يمكن تفسير التصعيد تجاه كندا والدنمارك باعتباره أداة ضغط دبلوماسية، تهدف إلى إعادة التفاوض حول وضع الممرات البحرية وترتيبات الأمن الإقليمي.
وبينما يتمتع سكان غرينلاند بحق تقرير المصير بموجب قانون الحكم الذاتي لعام 2009، ما يحدّ من قدرة الدنمارك على فرض موقف نهائي، تبدو التجاذبات حول مستقبل الجزيرة مرشحة للاستمرار.







