سياسة

ماركو روبيو: تقدم في الملف السوري وتحفظات قائمة


 أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن بلاده ترى أن سوريا تتحرك في اتجاه ايجابي وبنّاء، معربًا عن ترحيب واشنطن بما وصفه بمسار التطورات الجارية هناك رغم اقراره بوجود تحديات ومخاطر. وجاءت تصريحاته خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده في العاصمة السلوفاكية براتيسلافا إلى جانب رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو.

وتساءل قائلا “هل سيكون الأمر سهلا؟ لا. هل سيكون صعبا؟ بالتأكيد. هل ستشهد أياما جيدة وأخرى سيئة، مع صعود وهبوط؟ لا شك في ذلك”.
وتصريحات الوزير الأميركي لم تعتمد على إطلاق وعود كبرى، بل بدت أقرب إلى توصيف مرحلة انتقالية محفوفة بالاحتمالات. فروبيو أقر بأن سوريا قد تتحول إلى “مشكلة كبيرة” إذا اختل مسارها، لكنه أبدى قناعة بأن الاتجاه الحالي يستحق الدعم والحفاظ عليه، مضيفًا أن المشهد لن يكون مستقرًا بصورة كاملة، إذ ستتخلله فترات تحسن وأخرى من التعثر. وأكد أن الولايات المتحدة “راضية عن مسار التطورات في سوريا، ويجب أن نحافظ عليه”.
وتبلورت هذه المقاربة بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الاول 2024، وبروز سلطة انتقالية يقودها الرئيس أحمد الشرع. التطور لم يكن مجرد تغيير في القيادة، بل مثّل إعادة تشكيل لميزان القوى الداخلي، ما فرض على واشنطن إعادة حساباتها بعد سنوات من سياسة اتسمت بالعزلة والضغوط الاقتصادية.
ولا يعني التحول الأميركي انخراطًا مفتوحًا أو اعترافًا غير مشروط، بل يعكس قناعة بأن إدارة المخاطر باتت أولوية. فالتجربة السابقة أظهرت أن الانهيارات المفاجئة في الدول التي شهدت نزاعات ممتدة تخلق فراغات تستغلها شبكات متطرفة أو أطراف مسلحة خارج سيطرة الدولة. ومن هذا المنطلق، يبدو أن خيار التواصل المحدود مع السلطة الجديدة يهدف إلى منع انزلاق البلاد إلى فوضى جديدة قد تتجاوز حدودها.
كما أن واشنطن تدرك أن المشهد السوري لم يعد شأنًا داخليًا صرفًا، بل ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية. لذلك، فإن إعادة الانخراط – ولو بحسابات دقيقة – تمنحها قدرة أكبر على التأثير في شكل الترتيبات المقبلة، بدل الاكتفاء بدور المراقب.
وإعلان الموقف الأميركي من براتيسلافا لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا. فاختيار منصة أوروبية يعكس رغبة في تنسيق الرؤية مع الشركاء داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصًا أن أي تدهور أمني في سوريا ستكون له انعكاسات مباشرة على القارة، سواء عبر موجات نزوح جديدة أو تهديدات أمنية عابرة للحدود. بهذا المعنى، تحاول واشنطن بلورة إطار غربي موحد يوازن بين الحذر والانخراط.
وفي الداخل السوري، تبدو السلطة الانتقالية أمام استحقاقات ثقيلة. فترسيخ الاستقرار لا يقتصر على ضبط الأمن، بل يتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، ودمج الفصائل المسلحة ضمن هيكل وطني منضبط، وإطلاق مسار سياسي يتيح تمثيلًا أوسع لمكونات المجتمع. ومن دون خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، سيبقى أي دعم خارجي محدودًا ومشروطًا.

الاستقرار في سوريا لا يزال هشا في غياب الثقة بين مختلف الاطراف
الاستقرار في سوريا لا يزال هشا في غياب الثقة بين مختلف الاطراف

وإلى جانب البعد السياسي، يقف الاقتصاد كأحد أكبر التحديات. فسوريا تعاني من بنية تحتية متهالكة وقطاعات إنتاجية شبه مشلولة، فضلًا عن إرث ثقيل من العقوبات. لذا فإن أي انفتاح دولي، بما في ذلك من جانب الولايات المتحدة، قد يشكل نافذة لالتقاط الأنفاس، لكنه سيظل مرتبطًا بمدى تحقيق تقدم فعلي في ملفات الإصلاح والاستقرار.
وتعكس اللغة الأميركية الحالية مقاربة تقوم على “الاختبار والتقييم” فلا تعهدات بعيدة المدى، ولا قطيعة كاملة. بل مسار تدريجي يخضع للمراجعة المستمرة وفقًا لما يتحقق على الأرض. هذا الأسلوب يمنح واشنطن مرونة سياسية، ويجنبها الانزلاق إلى التزامات يصعب التراجع عنها.
في الوقت ذاته، يحمل الانفتاح المحدود رسالة إلى أطراف إقليمية فاعلة بأن الولايات المتحدة لا تنوي التخلي عن موقعها في المعادلة السورية. فإعادة التموضع تهدف إلى الحفاظ على قدرة التأثير في مسارات إعادة الإعمار، وفي صياغة الترتيبات الأمنية، وفي رسم ملامح التوازنات الجديدة.
أما بالنسبة للقيادة السورية، فإن كسب ثقة المجتمع الدولي لن يتحقق عبر الخطاب وحده، بل عبر بناء مؤسسات شفافة، واحترام التعددية، ومنع عودة أنماط الحكم التي ساهمت في إشعال النزاع سابقًا. فالمجتمع الدولي، وفي مقدمته واشنطن، سيعتمد على مؤشرات الأداء الفعلي لا على النوايا المعلنة.
في المحصلة، تبدو السياسة الأميركية تجاه سوريا وقد دخلت مرحلة مختلفة، عنوانها الانخراط المشروط بدل القطيعة، وإدارة التحولات بدل تجاهلها. وبين الحذر من انتكاسة محتملة والرغبة في تثبيت اتجاه أكثر استقرارًا، تراهن واشنطن على مقاربة مرنة تبقي خياراتها مفتوحة، وتربط أي تقدم إضافي بمدى قدرة دمشق على تحويل اللحظة الانتقالية إلى مشروع دولة قابل للحياة.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى