سياسة

ليبيا وامتحان الإرادات

عبدالحميد توفيق


تعود المسألة الليبية إلى مربعها الأول من حيث الاستقطابات الداخلية والاصطفافات، التي تبدو شكلا كأنها سياسية-حزبية، لا جبهوية أو جهوية.

 

لكنها في مضمونها تعبر عن عمق التناقضات المستحكمة بذهنية الأطراف، التي تقف على حافتي خندق المواجهة بزيها المدني حتى الآن.

المشكلة تبدو للوهلة الأولى متعلقة ببرامج حزبية وسياسية متعارضة بين قوى ومجموعات متنافسة فحسب.

التوقف ملياً عند حيثيات وبواعث هذه الانقسامات الناشئة راهنا تنبئ بوجود خلل بنيوي في الأطر الناظمة لمجمل العملية السياسية في ليبيا منذ انطلاقها، وتعكس جانبا من الصراع بين رموز العملية السياسية برمتها، وقد يكون الأمر الأكثر تعقيدا هو عدم الاستعداد، الذي تبديه أطراف الصراع الراهن لقبول خيارات سياسية بديلة، من شأنها تحقيق هدفين جليلين:

الأول تثبيت عملية التنافس السياسي بينهم على قاعدة دستورية وطنية والاحتكام إليها.

والهدف الثاني، وهو الأهم، يتعلق بقطع الطريق على بعض المليشيات المسلحة المتربصة بالعملية السياسية، والرافضة أساسا لها، والتي ترفع صوتها ملوحة بالحسم العسكري كلما تعثرت العملية السياسية في محطة من محطاتها.

اللافت أنه مع اقتراب موعد تنفيذ أي استحقاق وطني تنقلب الطاولة بما فيها على جميع اللاعبين. هذا هو حال ليبيا منذ إقرار الأطراف الليبية جميعها قبل نحو عامين بنهاية الصراعات المسلحة الميدانية، والاعتراف بأن الخيار العسكري مهما عظم شأنه وتنوعَ مِدادُه لن يحسم الأمر لمصلحة هذه الجهة أو تلك.

الانتقال إلى ساحات الاشتباك السياسي المتعددة، زمانا ومكانا، إقليميا ودوليا، لم يكن من إنتاج القوى والتيارات الليبية بمفردها، بل دفعت به جهود إقليمية ودولية ضاغطة وقرارات أممية بلورت جميعها اتفاقات حول خارطة طريق، وصولا إلى استحقاق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ديسمبر من العام الماضي.
لكن قبل وصول القاطرة إلى محطتها المنشودة أصابها العطب، فتفرّق الجمعُ لا يلوون على شيء سوى تبادل الاتهامات وإلقاء اللوم على الآخر في عملية تعطيل الاستحقاق ونسفه.

ليس من شك في أن منسوب التدخل الخارجي في الشأن الليبي تراجع عما كان عليه إبان الصراع المسلح.

جملة معطيات فرضت تحولا على عموم المشهد، وبشكل خاص على موازين القوى وتوازناتها داخليا، سياسيا وميدانيا، أسهمت في إنتاج مقاربات متجانسة في أهدافها، منسجمة في طروحاتها التأسيسية لمرحلة الحوار والعمل المشترك.

هل يشير الاحتقان الحالي على مستوى السلطات البرلمانية والحكومية وبقاء رأسين متعارضين لحكومتين، إلى تلاشي أسس التفاهمات السابقة؟ هل ينذر ذلك باحتمال مواجهة ميدانية لا تصب في مصلحة الشعب الليبي ومستقبله ولا في مصلحة بلاده؟ ما السبيل للخروج من عنق الزجاجة؟

أيسر السبل تكمن في البحث عن توافقات تطوي صفحة التشرذم والانقسامات الحادة، وتؤسس لمرحلة من الوفاق الوطني انطلاقا من التنافس المشروع بين القوى والأحزاب والتيارات، التي تشكل ألوان الطيف الليبي السياسي والاجتماعي كافة، سعيا لاستعادة كيان الدولة الليبية الموحدة.

مواقف عدد من قادة التشكيلات المسلحة في طرابلس وغيرها تصب في تعزيز هذا الخيار، وذلك بإعلانهم رفض الانزلاق إلى مواجهة عسكرية لصالح هذا الطرف أو ذاك، رغم انتماءاتهم المتعارضة.

قد يكون الأمر الأكثر بلاغة في مواقفهم هو المتمثل في مطالبة “الدبيبة” و”باشاغا” على حد سواء بإبقاء الصراع في إطاره السياسي، وتحميلهما مسؤولية أي مواجهة عسكرية قد تتفجر.

الرهان على العقلاء من قادة السفينة الليبية يبقى الخيار الأمثل، شرط الاستناد إلى منظومة القوانين والمضامين الدستورية الناظمة للعلاقات بين السلطات وبعضها، وبين تلك السلطات مع الشعب الليبي المتطلع إلى الخروج من النفق المظلم.

التجربة المريرة، التي عصفت بالبلاد والعباد على مدار أكثر من إحدى عشرة سنة، كفيلة بتنبيه أصحاب القرار المتربعين على رأس السلطات الليبية المتعددة إلى أن فرصة الانتقال إلى الفعل السياسي لا تزال مواتية بقدر موازاتها لفرصة خط تصعيدي يعمل على تشويه أو نسف ما تحقق من وئام داخلي رغم نسبيته.

 

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى