كفر كلا اللبنانية.. قرية مدمرة تتحول إلى رمز للتهجير والذاكرة المفقودة في الجنوب
في موقف سيارات متداعٍ قرب ساحل بيروت على البحر المتوسط، علّق حسن يحيى لافتة بسيطة من الورق المقوى كتب عليها “كفر كلا ترحب بكم”، في محاولة لاستحضار اسم قريته التي اختفت فعلياً تحت ركام الحرب.
اللافتة، التي بدت كأنها أثر باهت لماضٍ بعيد، أعادت إلى الأذهان قرية كفر كلا الواقعة جنوب لبنان، والتي كانت من بين أكثر من عشر قرى على الحدود الجنوبية تم تدميرها تدريجياً خلال نحو عامين ونصف من التصعيد العسكري.
ومع توسع العمليات العسكرية وتوغّل القوات الإسرائيلية، إضافة إلى تفجيرات وجرافات استهدفت المباني، تحولت تلك القرى إلى مساحات شبه خالية، في مشهد يصفه السكان بأنه محو كامل لبلدات كانت نابضة بالحياة.
تهجير واسع وواقع إنساني قاسٍ
سكان كثر، مثل يحيى، وجدوا أنفسهم نازحين بلا خيار، وسط مشاعر عجز وألم تجاه أراضٍ يعتبرونها جزءاً من هويتهم وتاريخ عائلاتهم الممتد لعقود. ويصف يحيى حاله قائلاً إن مغادرة القرية تعني فقدان الحياة نفسها، في إشارة إلى الارتباط العميق بالأرض.
وتؤكد السلطات الإسرائيلية أن القرى الحدودية كانت تستخدم من قبل حزب الله كمواقع عسكرية وبنية تحتية، مشيرة إلى ضبط أسلحة وذخائر خلال عملياتها، ومبررة الهجمات بأنها تهدف إلى تقليص التهديدات على حدودها الشمالية.
في المقابل، تنفي جهات مرتبطة بحزب الله وجود بنى عسكرية داخل الأحياء المدنية، وتتهم إسرائيل بتدمير واسع النطاق للمناطق السكنية.
قرى تمحى وذاكرة تتبدد
تُظهر تقارير ميدانية أن نسبة كبيرة من مباني كفر كلا تعرضت للدمار الكامل أو شبه الكامل، فيما أدى التصعيد إلى نزوح واسع طال مئات الآلاف في جنوب لبنان.
ورغم وقف إطلاق النار الذي ساد لفترة قصيرة، عاد التوتر مجدداً، لتتوسع عمليات الهدم والتفجير، ما زاد من صعوبة عودة السكان.
وتشير شهادات محلية إلى أن الحياة الاجتماعية في تلك القرى كانت تعتمد على الزراعة والعلاقات العائلية والاحتفالات التقليدية، قبل أن تتحول إلى تاريخ مفقود بفعل الحرب.
خوف من منطقة عازلة دائمة
ويخشى كثير من السكان أن تتحول المناطق الحدودية المدمرة إلى “منطقة عازلة” طويلة الأمد، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية وعدم وضوح مستقبل إعادة الإعمار.
وتثير هذه المخاوف مقارنات تاريخية مع تجارب سابقة في المنطقة، حيث أدت عمليات عسكرية إلى تغييرات دائمة في الجغرافيا السكانية.
أمل بالعودة رغم الدمار
ورغم حجم الدمار، لا يزال بعض النازحين يحاولون الحفاظ على ارتباطهم بالقرى عبر رسائل رمزية أو زيارات متقطعة، فيما يؤكد مسؤولون محليون أن إعادة الإعمار ستكون ممكنة، وإن استغرقت وقتاً طويلاً.
ويختصر أحد السكان هذا الشعور بالقول إن القرى ليست مجرد مبانٍ، بل ذاكرة وهوية لا يمكن محوها بسهولة، مع تمسك واسع بين الأهالي بالأمل في العودة يوماً ما وإعادة بناء ما دمرته الحرب.







