علي مشيري في قلب المشهد الفنزويلي.. هل يقود مسار تغيير النظام؟
في ضوء عمله في عملاق النفط الأمريكي “شيفرون” كان لعلي مشيري نفوذ ضخم في فنزويلا وبعد تقاعده قدم النصيحة لواشنطن بشأن تغيير النظام.
فخلال الأشهر التي سبقت تحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، استعانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) بصديق قديم للحصول على المشورة بشأن تغيير النظام وهو على مشيري، المدير التنفيذي السابق في شركة “شيفرون”.
ووفقا لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، فإن مشيري أوضح أنه إذا حاولت الإدارة الأمريكية الإطاحة بنظام مادورو بأكمله وتنصيب المعارضة الديمقراطية بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، فإنها ستواجه مستنقعًا آخر مثل العراق.
وقال مشيري إن ماتشادو لم تكن تحظى بدعم أجهزة الأمن الفنزويلية أو السيطرة على بنيتها التحتية النفطية لذا فقد أوصى بالتمسك مؤقتًا بنائبة مادورو ومديرة الشؤون الاقتصادية ديلسي رودريغيز وهو الخيار الذي عرض لاحقًا على ترامب في تقييم سري لـ”سي آي إيه” وبعد ساعات من اعتقال مادورو ردد ترامب نفس الكلام.
وفي بيان لها، قالت “شيفرون” إنها لم تصرح لأي شخص يعمل لديها أو نيابة عنها بالتواصل مع المخابرات الأمريكية فيما يتعلق بقيادة فنزويلا، وأكدت أنها لم تكن على علم مسبق بعزل مادورو وأنها لا تربطها أي علاقة مع مشيري.
ورفض مشيري، الذي غادر الشركة عام 2017 وأنهى علاقته الاستشارية مع شيفرون عام 2024، مناقشة أي اتصال له مع “سي آي إيه”، لكنه أقر صراحة بأنه يشارك نفس وجهة النظر مع الإدارة الأمريكية.
وفي تصريحات لـ”وول ستريت جورنال”، قالت المتحدثة باسم “سي آي إيه” ليز ليونز “هذه القصة خيالية وتعتمد على ادعاءات كاذبة وغير موثقة ومجهولة المصدر” وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، إن شركة شيفرون لم تلعب أي دور في الإطاحة بمادورو.
ولم تكن معلومات مشيري سوى جزء من الصورة الاستخباراتية الشاملة التي كانت واشنطن تجمعها عن فنزويلا، والتي شملت المراقبة الإلكترونية، وفريقًا سريًا من “سي آي إيه” متمركزًا سرًا على الأرض، ومصدرًا داخل الدائرة المقربة من مادورو.
ومع ذلك، وبصفته الرئيس السابق لإنتاج النفط في فنزويلا بشركة شيفرون، تمتع مشيري بنفوذ لا مثيل له على أعلى المستويات بما في ذلك الرئيس الراحل هوغو تشافيز، الذي وصفه بأنه “صديق عزيز”.
من هو مشيري؟
فكان من حسن حظ مشيري أنه لم يكن أمريكيًا في الأصل فقد نشأ في إيران، ثم انتقل إلى أوكلاهوما لدراسة هندسة البترول، وانضم إلى شيفرون بعد تخرجه مباشرةً عام 1978 وتزوج من امرأة التقى بها في فنزويلا، وتعلم الإسبانية، واكتسب لكنةً مميزةً بدت وكأنها مزيج من اللغات المتعددة التي كان يتحدثها.
وأمضى مشيري حياته المهنية مسافرًا إلى مناطق نائية وخطيرة لصالح شيفرون متجاوزًا أنظمة ذات أيديولوجيات سياسية متباينة.
وتولى إدارة عمليات شيفرون في أمريكا اللاتينية في وقت بات فيه وجود الشركة في فنزويلا يمثل قضية أمن قومي أمريكي بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 حيث كان المسؤولون الأمريكيون يسعون لضمان وصول موثوق للنفط الخام إلى نصف الكرة الغربي في ظل حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
ومع ترسيخ شيفرون لأهميتها الاستراتيجية للولايات المتحدة في فنزويلا، أثبتت علاقات مشيري مع زعيم البلاد أهميتها البالغة.
ولاحظت “سي آي إيه” علاقات مشيري ووفقًا لمصادر مطلعة، فقد دأب منذ عهد تشافيز على تزويد الوكالة بمعلومات عن قادة فنزويلا، بموافقة كبار المسؤولين التنفيذيين في شيفرون وهو ما نفته الشركة.
وبعد وفاة تشافيز عام 2013، عزز مشيري علاقته برودريغيز، إحدى المقربات من الزعيم الراحل والتي أصبحت شخصية محورية في النظام فقاد شركة شيفرون لتوقيع اتفاقية قرض بقيمة ملياري دولار مع شركة النفط الفنزويلية وبحلول 2017، كانت فنزويلا مدينة للشركة بمليارات الدولارات.
تدرجت رودريغيز في المناصب العليا في حكومة فنزويلا وبصفتها نائبة مادورو أدارت قطاع النفط في البلاد وأشرفت على جهاز أمن الدولة.
ورأت شيفرون والشركات الغربية القليلة المتبقية في البلاد في رودريغيز شريكًا تجاريًا مناسبًا. وقال مشيري إنها كانت “مفاوضة قوية وعنيدة” ومستعدة لتغيير رأيها عندما تسمع حجة مقنعة.
بعد تقاعد مشيري عام 2017، بدأ بعض كبار المديرين التنفيذيين في شيفرون إعادة النظر في التزامهم تجاه فنزويلا لكن مشيري، الذي كان لا يزال مستشارا، ساعد في إقناع الشركة بالبقاء.
خلال ولاية ترامب الأولى، هددت علاقات شيفرون البراغماتية مع فنزويلا بأن تصبح عبئًا حيث اعتقد بعض المستشارين أن عائداتها النفطية ساعدت في إبقاء مادورو في السلطة.
سعى ترامب للإطاحة بمادورو بعد يناير/كانون الثاني 2019، عندما شرع البرلمان الفنزويلي في تعيين رئيسه، خوان غوايدو، زعيماً شرعياً للبلاد لكن مشيري أخبر المسؤولين الأمريكيين أنهم يضعون توقعات غير واقعية للمعارضة وقال “لن ينجح الأمر” وهو ما حدث.
وبحلول ولايته الثانية، كان ترامب قد وضع دائرة حول فنزويلا وكولومبيا وقال إن مادورو كان يتعمد دفع المهاجرين الفنزويليين وأفراد العصابات إلى المدن الأمريكية لتقويض أمريكا.
واعترفت واشنطن بالمعارضة الفنزويلية كقادة شرعيين للبلاد، عندما أعلن المراقبون الدوليون عام 2024 أن مادورو سرق الانتخابات الرئاسية. ودافع مسؤولون أمريكيون عن زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو وأمر ترامب شيفرون بإنهاء عملياتها في فنزويلا.
تغيير النظام
وفي ظل غياب وجود سي آي إيه في فنزويلا بدأت التحضيرات وتشكيل فريق لاستهداف مادورو ونقل ضباطا متخصصين من ذوي الخبرة في مكافحة الإرهاب.
ومع رفض مادورو عدة عروض أمريكية للتنحي عن السلطة والحصول على عفو ومغادرة البلاد وجدت سي آي إيه ضالتها في شيفرون وأجرى الرئيس التنفيذي عدة محادثات مع ترامب حول فنزويلا العام الماضي، وفقًا لمصادر مطلعة، شرح خلالها الوضع على أرض الواقع ووعد بأن الشركة قادرة على زيادة إنتاج النفط هناك.
وعادت الوكالة إلى موظفي شيفرون السابقين الذين فهموا آلية عمل الدائرة المقربة من مادورو وقطاع النفط المعقد. وأوضح مشيري أن المعارضة الفنزويلية غير قادرة على ضمان استمرار تدفق النفط، فضلًا عن إدارة البلاد.
وساعد مشيري وآخرون ممن عملوا في شيفرون في إقناع الوكالة بخطة الخلافة التي تبلورت في النهاية وهي الإبقاء على رودريغيز وداعميها من أجهزة الأمن في مناصبهم.
ومنذ العملية، وصف ترامب النفط بأنه الدافع الرئيسي وراء دخوله فنزويلا، وأشاد برودريغيز ووصفها بأنها “رائعة” ويبدو أن الأمور تسير على ما يرام بالنسبة لمشيري أيضًا فهو يُقدّم الآن المشورة بشأن القيادة الجديدة لشركة النفط الفنزويلية .







