رهانات طهران في مواجهة متواصلة.. صراع طويل ومخاطر جسيمة
بالتزامن مع تحرك مشرعين في الكونغرس الأمريكي لتقييد صلاحيات الرئيس في شن أي هجوم عسكري دون موافقة النواب، تبدو الولايات المتحدة أقرب من أي وقت لإطلاق ضربة ضد إيران، في مشهد يعكس عمق الخلاف بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية بشأن قرار الحرب.
وكانت الجولة الأخيرة من المحادثات بين البلدين فرصة أمام طهران لتفادي الحرب، غير أنها لم تقدّم الكثير لواشنطن. وليس ذلك لأن قادتها متصلبون أو أسرى أنماط تفكير قديمة، بل لأنهم لم يعودوا يعوّلون كثيرًا على الدبلوماسية، ويرون الحرب تزداد حتميّة.
فالمفاوضات، في نظرهم، أقرب إلى فخ منها إلى حل، بينما تبدو الحرب التي لا مفرّ منها أكثر «تطهيرًا» من اتفاق ضعيف. لذا ينصبّ تركيزهم على كيفية إدارتها، بل وحتى توظيفها لمصلحتهم، بحسب صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية.
وتقول الصحيفة البريطانية، إن المرشد الإيراني علي خامنئي، لا يثق بعمق في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالأخير انسحب من الاتفاق النووي لعام 2015 وفرض عقوبات قاسية تسببت في أزمة عملة ألقت طهران باللوم فيها على واشنطن باعتبارها أحد أسباب الاضطرابات الداخلية.
وفي الصيف الماضي، منح ترامب الضوء الأخضر لإسرائيل لمهاجمة إيران وسط محادثات نووية جارية، قبل أن يستهدف البرنامج النووي الإيراني بالقصف.
وعندما خرج محتجون إلى الشوارع في ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني الماضيين، شجّعهم ترامب على إسقاط النظام الإيراني، ووعد بدعم عسكري أمريكي لتحقيق ذلك الهدف.
معيار حاسم
وقد «قمعت» الحكومة الإيرانية الاحتجاجات بعنف لتفادي تغيير النظام». وبعد حملة القمع، طالبت الولايات المتحدة باتفاق نووي جديد، لذلك لا يقتنع قادة طهران بأن ترامب جاد في إبرام اتفاق، ويخشون أنه لا يزال يسعى إلى إسقاطهم.
المعيار الحاسم بالنسبة لطهران هو أن تضمن أي محادثات وأي اتفاق لاحق عدم تعرّض إيران لهجوم، وأن تلتزم الولايات المتحدة بالاتفاق وترفع العقوبات، وألا تُجبر إيران على التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية.
غير أن أياً من هذه التنازلات لا يبدو أنه طُرح في الجولتين الأخيرتين من المفاوضات. وبدلاً من ذلك، تطالب واشنطن إيران بالتخلي ليس فقط عن برنامجها النووي، بل أيضًا عن صواريخها ووكلائها الإقليميين، بحسب الصحيفة البريطانية.
وتقول «فايننشيال تايمز»، إن الاستجابة لهذه المطالب قد تجعل تغيير النظام أكثر احتمالًا، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى نزع سلاح إيران بالكامل من دون إنهاء الظروف القاسية التي تواجهها البلاد: ضغوط اقتصادية شديدة وتهديد دائم بالحرب.
وتخشى الحكومة الإيرانية أن تجد نفسها أمام انهيار سريع أو موت بطيء، على غرار ما حدث لعراق صدام بعد حرب الخليج الأولى.
تغيير المعادلة
وبحسب الصحيفة البريطانية، فإن هدف الدبلوماسية الإيرانية لا يقتصر على تجنب الحرب، بل يتعداه إلى تغيير هذه المعادلة. ويتشكل في طهران إجماع متزايد على أن إيران لن تحصد مكاسب على طاولة التفاوض، وأن عليها بدلًا من ذلك قبول الحرب، والاستعداد لإدارتها، على أمل أن يقود الصراع في نهاية المطاف إلى التغيير الذي تسعى إليه — عبر إنهاك الولايات المتحدة إلى درجة تدفعها إلى التخلي عن سياسات المواجهة المستقبلية والقبول باتفاق نووي أكثر ملاءمة.
وتقول «فايننشيال تايمز»، إن الانتفاضة الشعبية الواسعة وقمعها العنيف أحدثا شرخًا عميقًا بين النظام الإيراني ومواطنيه الغاضبين، وهذا أيضًا يدخل في حسابات النظام. فالولايات المتحدة تراهن على أن الشعب سيعود إلى الشارع لإسقاط قيادته، فيما يأمل حكام إيران بالعكس: أن تشعل الحرب حماسة وطنية، وأن يتغلب الحس القومي على السخط الداخلي.
وبينما تعد المراهنة على الحرب خيارًا بالغ الخطورة، فيما قد يكون قادة إيران «يسيؤون تقدير الموقف» إلا أن «نظامًا محاصرًا يكون أكثر ميلًا إلى المجازفة.
وبالنسبة لطهران، فإن حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي لم تُعدّ هزيمة؛ «إذ نجحت في دفع جيوش متفوقة إلى وقف إطلاق نار قبل تحقيق أهدافها الكاملة».
ورغم الصدمة الأولى، تمكنت إيران من امتصاص الضربات الإسرائيلية القاسية ثم الرد عليها. وفي نهاية المطاف، كانت الولايات المتحدة من طلب وقف إطلاق النار. ولم يكن الحرس الثوري الإيراني متحمسًا لوقف القتال آنذاك، لأنه رأى أن إطالة أمد النزاع قد تُضعف الدفاعات الإسرائيلية وتزيد خسائرها، بما يخدم طهران.
حرب طويلة؟
هذه المرة، تستعد إيران لحرب طويلة — صراع ممتد ومكلف. وحتى إذا شنّت واشنطن ضربة واسعة ونجحت في تقليص قدرة إيران على الرد ضد القوات الأمريكية أو إسرائيل، فقد تحتفظ طهران بقدرتها على استخدام وكلائها الإقليميين واستهداف منشآت النفط وطرق إمدادات الطاقة. بل قد تبادر إلى إطلاق جزء كبير من ترسانتها ضد الولايات المتحدة وحلفائها قبل تدميرها، ما يعني تصعيدًا سريعًا للحرب.
قد تحسب طهران أنه كلما طال أمد الحرب وارتفعت كلفتها، ازدادت احتمالات سعي الولايات المتحدة إلى مخرج. وعندها قد تفضي المفاوضات إلى نتيجة مختلفة — وأكثر ملاءمة لإيران — مما يمكن تحقيقه اليوم، بحسب الصحيفة البريطانية.
وأشارت إلى أن كثيرين في الغرب سيرون في هذا التفكير «خطأً كارثيًا سيقود إلى تدمير إيران وسقوط نظامها. لكن تجاهل هذا المنطق بالكامل سيكون خطأً بدوره».







