خلاف الحدود يعيد الأزمة الأوكرانية إلى دبلوماسية الكواليس
حراك دبلوماسي مكثف خلف الأبواب المغلقة في محاولة لتجاوز أكثر ملفات التسوية المحتملة بأزمة أوكرانيا تعقيدا، وهي الأرض.
يأتي ذلك رغم انتهاء الجولة الأخيرة من المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا من دون تسجيل اتفاق يُذكر، وفق صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
وتتمثل المعضلة الأساسية في مطالبة روسيا كييف بالتخلي عن الشريط الذي لا يزال تحت سيطرتها في منطقة دونيتسك (شرق)، وهو نطاق يمتد لنحو 80 كيلومتراً طولاً و64 كيلومتراً عرضاً، ويضم عشرات البلدات الواقعة بين خط المواجهة والحدود الإدارية للإقليم.
وترى موسكو أن حسم وضع هذه المنطقة شرط أساسي لأي اتفاق، فيما ترفض كييف الانسحاب من جانب واحد، محذرة من أن أي تنازل إقليمي قد يفتح الباب أمام جولات تصعيد جديدة، سواء داخل أوكرانيا أو خارجها، ما لم يقترن بضمانات أمنية صارمة وملزمة.
منطقة منزوعة السلاح
بحسب 3 مصادر مطلعة على سير المفاوضات، تحدثت للصحيفة، عاد المسؤولون إلى بحث فكرة إنشاء منطقة منزوعة السلاح لا تخضع لسيطرة أي من الجيشين، وهو مقترح سبق أن ورد ضمن خطة من 28 بنداً طرحتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
ويُنظر إلى هذه الصيغة باعتبارها مخرجاً وسطاً يمكن أن يجمد النزاع على الأرض من دون حسم نهائي لمسألة السيادة.
ويرى ويليام تايلور، السفير الأمريكي الأسبق لدى كييف والباحث في المجلس الأطلسي، أن المنطقة منزوعة السلاح قد تشكل أساساً لتسوية عادلة، شريطة ألا تكون مفروضة أو غير متوازنة.
ويؤكد أن أي حل قسري يفتقر إلى ضمانات حقيقية لن يصمد طويلاً، مشدداً على ضرورة توفير حماية فعلية للمصالح الأوكرانية.
تشدد معلن.. ومرونة حذرة
على المستوى العلني، لا تزال المواقف متباعدة؛ فقد كرر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الأيام الماضية رفضه القاطع لفكرة التنازل عن أراضي مقابل السلام.
وفي المقابل، لم يُبدِ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التزاماً واضحاً بالفكرة عند طرحها سابقاً، مكتفياً بالقول إن التفاصيل تحتاج إلى نقاش.
غير أن مستشاره للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف، ألمح لاحقاً إلى إمكانية قبول موسكو بإنشاء المنطقة إذا سُمح لقوات الشرطة أو الحرس الوطني الروسي بتسيير دوريات فيها، وهو طرح ترفضه كييف حتى الآن.
والمناقشات لم تقتصر على مبدأ المنطقة منزوعة السلاح، بل امتدت إلى كيفية إدارتها وضمان استقرارها.
ووفق المصادر ذاتها، طُرحت فكرة إنشاء منطقة تجارة حرة داخل النطاق المقترح لتشجيع النشاط الاقتصادي، رغم أن الدمار الواسع الذي طال البنية الصناعية – ولم يتبق منه سوى منجم فحم واحد يعمل – يجعل فرص الاستثمار محدودة في المدى القريب.
كما ناقش المفاوضون تشكيل إدارة مدنية مشتركة قد تضم ممثلين عن الطرفين لإدارة المنطقة بعد الحرب، إلا أن الخلافات لا تزال عميقة بشأن الصلاحيات والترتيبات الأمنية.
ومن بين النقاط الحساسة أيضاً مسألة سحب القوات من خط التماس.
ففي حين أصر زيلينسكي سابقاً على انسحاب روسي موازٍ لأي انسحاب أوكراني، كشفت محادثات حديثة في أبو ظبي عن بحث خيارات لانسحاب روسي جزئي غير متماثل، ما يشير إلى وجود نقاشات أكثر مرونة خلف الكواليس.

الضمانات الأمنية.. أولوية
يبقى ملف الضمانات الأمنية في صدارة الشروط الأوكرانية، فقد أوضح زيلينسكي أن بلاده تفضل توقيع اتفاق ملزم بشأن الضمانات قبل الالتزام بإجراء انتخابات أو سحب القوات من دونباس.
واعتبر أن ذلك يمثل شرطاً لبناء الثقة ويمنح الأوكرانيين يقيناً بأن أي عدوان مستقبلي لن يمر من دون ردع دولي.
وتزداد تعقيدات المشهد مع استمرار النقاش حول نشر قوة حفظ سلام دولية في المنطقة التي لا يزال يقطنها نحو 190 ألف مدني، بينهم آلاف الأطفال.
يضاف ذلك إلى ترتيب تسلسل الخطوات بين تثبيت وقف إطلاق النار، وإضفاء الطابع الرسمي على الضمانات، ووضع إطار لإعادة الإعمار وتنظيم العملية السياسية اللاحقة.
ورغم الجمود الظاهر في البيانات الرسمية، تشير التحركات الدبلوماسية إلى أن البحث عن صيغة وسط لم يتوقف.
غير أن الفجوة بين مطلب السيادة الذي تتمسك به كييف والرؤية الأمنية التي تطرحها موسكو لا تزال واسعة، ما يجعل أي تسوية محتملة رهناً بقدرة الوسطاء على صياغة ترتيبات توازن بين وقف القتال وضمان الاستقرار طويل الأمد.







