خطاب الحية تحت المجهر.. هل ينسجم مع تاريخ حماس في الحكم؟
حدد رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس خليل الحية، الأربعاء، ست أولويات للحركة، في مقدمتها الوقف الشامل للعدوان الإسرائيلي، والانسحاب الكامل من قطاع غزة، كما وضع ضمن أولويات الحركة “مد اليد للمكونات والقوى الفلسطينية”، في إشارة بدت وكأنها محاولة لتقديم خطاب أكثر انفتاحاً بعد سنوات من الانقسام الداخلي والصراع على السلطة، خصوصا بعد فقدان الحركة شعبيتها الضئيلة أساسا.
ودعا الحية الدول الراعية للمفاوضات إلى الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، والانتقال إلى المرحلة التالية. وذلك في أول خطاب للحية، عقب انتخاب الحركة له الاثنين، رئيسا لمكتبها السياسي، خلفا ليحيى السنوار، الذي قتل خلال اشتباك مع قوة إسرائيلية في مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2024.
وقال الحية، إن الأولوية الثانية تتمثل في استعادة الحياة الإنسانية الكريمة للفلسطينيين في قطاع غزة، وإفشال مخططات التهجير، وتسريع إعادة الإعمار، والعمل على تحرير الأسرى. وأضاف أن الأولوية الثالثة تتمثل في تحقيق وحدة الشعب الفلسطيني، وإطلاق حوار وطني لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي هذا الصدد دعا الحية، إلى “حوار وطني فوري، وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتوافقية”. وتابع “نمد أيدينا لكل المكونات والقوى الفلسطينية لنجتمع على كلمة سواء وفق برنامج وطني متفق عليه يتضمن تحقيق أولويات شعبنا وأهدافه، فهذه المرحلة لا تحتمل التفرد ولا الإقصاء”. وأوضح أن الأولوية الرابعة تتمثل في تعزيز علاقات الحركة مع محيطها العربي والإسلامي.
ويأتي هذا الطرح في وقت تواجه فيه الحركة تحديات سياسية وعسكرية غير مسبوقة، الأمر الذي دفعها إلى التأكيد على مفاهيم الشراكة الوطنية والوحدة الفلسطينية، إلى جانب المطالبة بوقف الحرب الإسرائيلية والانسحاب من قطاع غزة.
غير أن هذا الخطاب يثير تساؤلات حول مدى انسجامه مع تجربة الحركة خلال العقدين الماضيين، والتي اتسمت بصدامات سياسية وأمنية مع قوى فلسطينية أخرى، وفي مقدمتها حركة فتح، إضافة إلى استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عام 2007.
وأشار الحية إلى أن الأولوية الخامسة تتمثل في دعوة الدول العربية والإسلامية إلى “التحرك الفاعل والضغط لوقف آلة القتل والإبادة بحق شعبنا وتحمل مسؤولياتهم الأخوية والتاريخية والدينية”. ولفت إلى أن “ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة يثبت حقيقة واقعة أن استقرار وأمن الشعب الفلسطيني ونيل حقوقه وحريته واستقلاله هو مفتاح الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها”.
وأضاف أن الأولوية السادسة تتمثل في مطالبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة بـ”حماية الفلسطينيين، ومحاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين”.
ويرى مراقبون أن تبني لغة أكثر شمولاً يعكس إدراكاً داخل الحركة بأن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع قاعدة التأييد الفلسطيني، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن ترتيبات سياسية وإدارية لما بعد الحرب في قطاع غزة. فإبراز مفاهيم مثل “الوحدة الوطنية” و”الشراكة” يمنح الحركة فرصة لتحسين صورتها أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي، ويعزز حضورها في أي نقاش يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
لكن هذا التحول الخطابي يصطدم بسجل طويل من الانقسام السياسي. فمنذ سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007، تشكل نظامان سياسيان وإداريان منفصلان في الضفة الغربية والقطاع، وتعاقبت جولات عديدة من المصالحة دون أن تنجح في إنهاء الانقسام بصورة دائمة.
كما تعرضت الحركة لانتقادات من خصومها بسبب إدارتها المنفردة للقطاع، واتهامات بتهميش قوى سياسية أخرى، والحد من نشاطها، وهو ما جعل الحديث عن الشراكة الوطنية محل تشكيك لدى بعض الفصائل والمراقبين.
ولا ينفصل الخطاب الجديد عن سعي الحركة إلى تعزيز شرعيتها السياسية، خاصة في ظل المتغيرات التي يشهدها الملف الفلسطيني، والضغوط المتعلقة بمستقبل إدارة قطاع غزة.
ويبقى التحدي الأساسي أمام حماس هو مدى قدرتها على ترجمة هذا الخطاب إلى خطوات عملية، مثل القبول بإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس توافقية، واحترام التعددية السياسية، وتمكين جميع الفصائل من المشاركة في صنع القرار، والالتزام بنتائج أي عملية ديمقراطية مستقبلية.
فالتجارب السابقة أظهرت أن بيانات المصالحة غالباً ما اصطدمت بخلافات تتعلق بتقاسم السلطة، وإدارة الأجهزة الأمنية، والبرنامج السياسي، وهو ما أدى إلى تعثر معظم الاتفاقات التي رعتها أطراف عربية وإقليمية.
لذلك، يرى مراقبون أن خطاب خليل الحية يمثل محاولة لإعادة تموضع سياسي في مرحلة شديدة الحساسية، إلا أن نجاحه سيبقى مرهوناً بمدى اقترانه بإجراءات عملية تعكس انفتاحاً حقيقياً على بقية القوى الفلسطينية.
وبينما تمنح لغة الشراكة الحركة فرصة لتحسين صورتها السياسية، فإن تجاوز إرث الانقسام يتطلب أكثر من تغيير الخطاب؛ إذ يحتاج إلى بناء الثقة مع الفصائل الأخرى، وقبول قواعد العمل السياسي التوافقي، بما يسمح بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس تشاركية، بعد سنوات طويلة من الانقسام والتنافس على السلطة.
وبوساطة مصر وقطر وتركيا ورعاية أميركية، بدأ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ضمن خطة تتضمن مرحلتين، لإنهاء الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين.
لكن إسرائيل لم تلتزم بالاتفاق، وتواصل خروقاتها عبر القصف وإطلاق النار، ما أسفر حتى الأربعاء عن مقتل ألف و180 قتيلا و3 آلاف و810 مصابين، وفق وزارة الصحة في غزة.







