سياسة

خاركيف وفن الحرب

سمير عمر


سباسيبا وتعني بالروسية ” شكرا” قالها النادل باطمئنان عفوي وهو يتناول النقود مني، وحين سألته هل هذه الكلمة تعني شكرا بالأوكرانية؟ رد مبتسما أقصد “جاكويو” وتعني شكرا باللغة الأوكرانية… أنا أعرف الكلمتين بالطبع فهما من الكلمات القليلة التي بت ملما بها من اللغتين، لكني أردت رصد رد فعله على السؤال، فقد بدا النادل الشاب مرتبكا يحاول إخفاء صراع داخلي بين ثقافتين.

يتكرر هذا المشهد كثيرا في مختلف المناطق الأوكرانية وبخاصة تلك المناطق التي يسكنها أوكرانيون من أصول روسية وهم غير قليلين بالمناسبة.

هذا التعايش بين اللغتين على الأراضي الأوكرانية يعكس حجم التداخل الإنساني والثقافي بين أبناء القوميتين، ويتعارض دون شك مع ما يعيشه مواطنو البلدين منذ اندلاع الحرب.

في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا، يبدو المشهد أكثر تعقيدا، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو ثلث سكانها من أصول روسية، بينما يتحدث نحو نصف السكان اللغة الروسية.

والمدينة كانت أول عاصمة للجمهورية السوفيتية الأوكرانية منذ أواخر 1919 وحتى مطلع عام 1934، قبل انتقال العاصمة إلى كييف، لذا فلها في الذاكرة الروسية مكانة مميزة، حيث كانت مدينة أثيرة لدى القادة السوفييت، وحظيت باهتمام بالغ جعلها قلعة الصناعة والتجارة في أوكرانيا على العهد السوفيتي، كما أنها كانت وماتزال من أهم الوجهات الثقافية والفنية ذات الإرث الحضاري الممتد.

ربيع 2014

هذه العناصر مجتمعة خلقت تعاطفا لدى قطاع من أبناء المدينة مع الموقف الروسي في أزمة عام 2014 حين أزيح الرئيس الموالي لروسيا فيكتور يانكوفيتش على خلفية حركة احتجاجات واسعة قادتها المعارضة الأوكرانية المؤيدة للغرب.

في تلك الأثناء، شهدت ساحة الحرية في قلب خاركيف مظاهرات حاشدة تأييدا للخيار الروسي في مواجهة رغبة شعبية أوكرانية في العاصمة كييف للتوجه نحو الغرب.

صحيح أن غالبية المتظاهرين كانوا يعارضون سياسة الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فيكتور يانكوفيتش، لكنهم كانوا جميعا يرفضون أن تولي بلادهم وجهها شطر الأطلنطي.

وظهر في تلك الأثناء تيار انفصالي يدعو لإعلان جمهورية خاركيف الشعبية، واحتل المؤيدون لتلك الفكرة مبنى مقر عمدة المدينة في السادس من أبريل 2014. بالطبع لم يدم هذا الوضع طويلا، ففي اليوم التالي، تحركت قوات الأمن الأوكرانية وفي أقل من 48 ساعة قضت على هذا التحرك، وأجبرت / أقنعت عمدة المدينة آنذاك هينادي كيرنس على تأييد الإطاحة بالرئيس يانكوفيتش والانضمام للنظام الوليد الموالي للغرب.

وشيئا فشيئا تراجعت الأصوات المؤيدة لروسيا في خاركيف حتى كادت أن تختفي أو على الأقل أختارت أن تخفي انحيازها للخيار الروسي.

شتاء 2022

وعلى الأرجح فقد تصور القادة الروس أن هذا المشهد قابل للتكرار في عام 2022 وهم يعدون العدة لشن الحرب على أوكرانيا، لكن ما حدث كان على عكس ذلك تماما.

فبمجرد أن بدأت الحرب وتقدمت القوات الروسية نحو خاركيف تشكلت فرق المقاومة الشعبية لتصطف إلى جانب القوات الأوكرانية لصد الهجوم الروسي.

وهو ما دفع روسيا إلى الانسحاب سريعا من المدينة والاكتفاء بالسيطرة على القرى المجاورة للشريط الحدودي بين البلدين.

وبدا أن الخيار الروسي الذي كان يحظى بتأييد معتبر في أزمة 2014 بلا ظهير شعبي واسع يمكنه من التقدم إلى قلب خاركيف – المدينة وسكانها -.

يحتاج الأمر إلى دراسة معمقة لمجتمع الأوكرانيين من أصل روسي من سكان خاركيف، والذين يعيشون دون شك صراع نفسي في تلك المرحلة، ولا نبالغ إذا قلنا إن الأمر لا يتوقف عند حدود هؤلاء فعدد من الأوكرانيين – ليس بالقليل – يرتبط بعلاقات وثيقة مع الروس على الجانب الآخر من الحدود

علاقات اجتماعية وإنسانية وعلاقات شراكة اقتصادية أيضا

صحيح إنك لن تجد أوكرانياَ في خاركيف وغيرها في تلك الأثناء يظهر أي قدر من الود أو التعاطف مع الروس، فما شهدته بلادهم من دمار جراء الحرب كفيل بمحو تلك المشاعر أو على الأقل إبعادها لمكان سحيق في الذاكرة، لكن التصرفات العفوية التي تظهر بين الحين والآخر تؤكد وفقا لأفكار عالم النفس الشهير سيغموند فرويد، أن المسألة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه في كثير من الأحيان، وربما حين تضع الحرب أوزارها يكون هناك متسع من الوقت لدراسة تلك الظاهرة، لكن متى تضع الحرب أوزارها؟

فن الحرب

في كتابه المرجعي على المستوى العسكري والاستراتيجي وأحد أهم مئة كتاب في تاريخ البشرية “فن الحرب”، يقول القائد الصيني القديم “سون تزو”: “لاتوجد أية فائدة لأية أمة في إطالة أمد الحرب”.

أعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن قرأ هذا الكتاب فهو من أهم المراجع حتى الآن رغم مرور نحو خمسة وعشرين قرنا على تأليفه. لكن هل يفكر الرئيس الروسي بالفعل في وقف الحرب؟ وهل بوسعه حقا وقفها إن أراد؟

على الجانب الآخر، هل تفكر الإدارة الأميركية التي وضعت كتاب “فن الحرب” ضمن برنامج التأهيل العسكري لجنودها قبل التوجه لحرب تحرير الكويت، ومازالت تدرسه لقادتها الميدانيين، في وقف الحرب؟

تبدو الرغبتان الروسية والأميركية متعارضتين على الأرض فيما يتعلق بتلك الحرب، لكن المؤكد أن استمرار الحرب ليس في مصلحة أحد، وهذا ما تظهره التطورات الأخيرة على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وهذا أيضا ما يضع خيار وقف العمليات العسكرية مطروحا بقوة على طاولة الفرقاء حتى لو استمرت الحرب على أصعدة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى