سياسة

تصعيد خطير.. طهران تمنع المرور في هرمز وتلوّح بالهجوم على السفن


 أدخل إغلاق مضيق هرمز المنطقة في منعطف بالغ الخطورة، بعدما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن إبراهيم جباري المستشار الكبير لقائد الحرس الثوري الايراني، تأكيده أن طهران أغلقت المضيق وستستهدف أي سفينة تحاول العبور.

ويُعد هذا التهديد الأكثر صراحة منذ سنوات، إذ لم تعد التحذيرات في إطار الرسائل السياسية، بل تحولت إلى خطوة ميدانية تهدد شريان الطاقة الأهم في العالم.

ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المئة من امدادات النفط اليومية للعالم، كما أنه المعبر الرئيسي لصادرات كبار المنتجين في الخليج، وفي مقدمتهم السعودية والإمارات والعراق وإيران نفسها. ويبلغ عرض المضيق عند أضيق نقطة نحو 33 كيلومترا فقط، ما يجعله عنق زجاجة حقيقيا لسوق الطاقة الدولية وأي اضطراب فيه لا يبقى محليا، بل يرتد فورا على شاشات التداول في نيويورك ولندن وسنغافورة.

وجاء قرار الإغلاق بعد ضربات أميركية وإسرائيلية استهدفت إيران في 28 فبراير/شباط، في تصعيد غير مسبوق سعت من خلاله واشنطن وتل أبيب إلى تقويض بنية النظام الإيراني. وردت طهران بإطلاق صواريخ على أهداف في الخليج، شملت دولا تستضيف قواعد عسكرية أميركية مثل قطر والكويت والبحرين، إضافة إلى هجمات طالت الإمارات والسعودية وعُمان. وبهذا المشهد، انتقل التوتر من حرب ظل إلى مواجهة مفتوحة تلامس خطوط إمداد الطاقة.

وأربكت الحرب على إيران أسواق النفط العالمية على مستويين متوازيين، فمن جهة، تُعد الجمهورية الاسلامية نفسها دولة منتجة ومصدرة للنفط، وأي استهداف لمنشآتها أو تشديد للعقوبات عليها يقلص الإمدادات المتاحة. ومن جهة أخرى، فإن إغلاق مضيق هرمز أو استهداف منشآت النفط في الخليج سيخلق فجوة واسعة في المعروض النفطي العالمي، قد لا يكون من السهل سدها سريعا. ولا تتعامل السوق فقط مع الكميات الفعلية، بل مع توقعات المخاطر وكلما ارتفع منسوب القلق، ارتفعت معه الأسعار كأنها بالون يملؤه الخوف.

وقد قفزت أسعار النفط والغاز بالفعل عقب الضربات والردود المتبادلة، في ظل تقارير عن إغلاق منشآت نفط وغاز في أنحاء من المنطقة واضطراب حركة الشحن. كما أن المشهد يتقاطع مع اضطرابات سابقة في البحر الأحمر وخليج عدن نتيجة هجمات الحوثيين على السفن منذ اندلاع الحرب على غزة في 2023، ما يضاعف الضغط على سلاسل الإمداد العالمية.

في هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة، مشيرا إلى أن وزير الخزانة ووزير الطاقة سيعرضان خططا تباعا لاحتواء القفزة السعرية. ويبقى السؤال: هل تستطيع واشنطن فعلا تهدئة أسعار النفط إذا حدث زلزال سعري واسع؟

وتمتلك الولايات المتحدة عدة أدوات، أبرزها السحب من الاحتياطي الاستراتيجي من النفط، وهو مخزون ضخم يمكن أن يضخ ملايين البراميل يوميا لفترة محدودة لتخفيف الضغط على السوق. كما يمكنها التنسيق مع دول وكالة الطاقة الدولية للإفراج عن مخزونات طارئة، أو ممارسة ضغوط دبلوماسية على منتجين كبار لزيادة الإنتاج، مثل السعودية أو دول أخرى في تحالف “أوبك+”. كذلك قد تلجأ إلى تسهيلات تنظيمية لزيادة الإنتاج المحلي من النفط الصخري.

وتبقى فرضية استخدام النفط الفنزويلي أيضا مطروحة بعد اختطاف واشنطن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ووضع يدها على مصادر الطاقة في البلد المنتج وأحد قنوات تصريف النفط الإيراني المهرب.

غير أن فعالية هذه الأدوات تبقى رهينة طبيعة الأزمة، فإذا كان الإغلاق كاملا وطويل الأمد لمضيق هرمز، فإن أي ضخ من الاحتياطي سيكون بمثابة مسكن مؤقت لا يعالج جوهر المشكلة. أما إذا كان التصعيد محدودا زمنيا وقابلا للاحتواء، فقد تنجح هذه الإجراءات في تهدئة الذعر ومنع الأسعار من الانفلات.

وفي ظل هذا المشهد يقف سوق النفط على حافة اختبار قاس، بين صواريخ تعبر السماء وناقلات تنتظر الإشارة الخضراء، تتحول براميل الخام إلى أوراق ضغط في صراع جيوسياسي مفتوح. وقدرة واشنطن على تهدئة الأسعار لن تعتمد فقط على الأدوات الاقتصادية، بل أيضا على قدرتها على منع اتساع رقعة المواجهة وإعادة الاستقرار إلى واحد من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى