برلين تراهن على كاثرين رايشه لدفع صناعة الدفاع نحو التوسع
في مشهد جيوسياسي مرتبك، تبرز وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية، كاثرين رايشه، كمركز ثقل في مسار التحول الدفاعي بألمانيا.
وبأسلوبها المتواضع والعملي، تعمل رايشه على إعادة تشكيل وإعادة بناء القوة العسكرية والصناعية لألمانيا، لتصبح ما يمكن وصفه بـ”سيدة برلين الحديدية الهادئة”.
وبحسب تقرير لمجلة “ذا ناشيونال إنترست”، لا ينصب تركيزها على الشعارات، بل على مفاهيم جوهرية مثل الطلب الصناعي، وسلاسل التوريد، والإنتاج الدفاعي، واستقرار شبكات الكهرباء.
وخصصت ألمانيا، مئات الملايين من اليورو للإنفاق الدفاعي بعد عقود من نقص الاستثمار، مما يضعها على مسار لتصبح واحدة من أكبر الدول إنفاقاً عسكرياً في العالم.
وتحت قيادة رايشه، لم تكتفِ الحكومة بدعم الشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا الدفاع، بل شجعت المصنّعين التقليديين وموردي السيارات على التحول نحو الإنتاج العسكري.
كما أطلقت وزارتها منصة تربط المصنّعين الألمان بشركات الدفاع، مما يساعد على تحويل أجزاء من الاقتصاد الصناعي إلى سلاسل إمداد عسكرية.
وتعكس هذه الاستراتيجية إيمان رايشه العميق بضرورة إعادة بناء الإنتاج المحلي في ألمانيا، وترسيخ التصنيع ضمن سلاسل إمداد الحلفاء، لتقليل التعرض للمخاطر الجيوسياسية والمنافسة الآسيوية منخفضة التكلفة، وفق المجلة الأمريكية.
وبذلك، يعكس قرار المستشار فريدريش ميرتس باختيار رايشه في هذا المنصب، حكمة بالغة، إذ فضّل على السياسيين المهرة في الصور والرسائل، شخصية واقعية تمتلك خبرة عملية في عالم الأعمال والطاقة.
من هي رايشه؟
ونشأت رايشه في ألمانيا الشرقية سابقاً، وهي تنتمي إلى جيل أدرك مبكراً أن المثالية وحدها لا تبني اقتصادات.
وقبل انضمامها إلى الحكومة، قادت شركة “ويستنيرجي”، إحدى أكبر شركات المرافق في ألمانيا، وشغلت منصب رئيسة رابطة المرافق المحلية.
هذه التجربة صقلت قناعتها بأن الطاقة ليست مجرد قضية مناخية نظرية، بل هي أساس التصنيع والتنافسية والنمو الوطني.
وخلال مشاركتها الأخيرة في أسبوع “سيراويك” للطاقة في هيوستن، أفصحت رايشه عن بعض الأهداف المناخية “الجامدة” السائدة في أوروبا، محذّرة من أن الاعتماد الحصري على طاقة الرياح والطاقة الشمسية يرقى إلى “السذاجة”.
هذه التصريحات، رغم أنها جعلتها هدفاً لليسار الناشط والمدافعين عن المناخ في ألمانيا، إلا أنها كشفت حقيقة أوسع طالما تجاهلها السياسيون الألمان وهي أن الاقتصادات الصناعية الكبرى تحتاج إلى طاقة موثوقة وبنية تحتية متينة، وليس فقط إلى أهداف أخلاقية، بحسب التقرير.
واليوم، تتبوأ رايشه موقعاً محورياً في إعادة التفكير بملف الطاقة والصناعة في ألمانيا. فتعمل برلين على بناء محطات للغاز الطبيعي المسال، وتأسيس سلاسل إمداد جديدة للغاز والهيدروجين، وتسريع الاستثمار في شبكة الكهرباء، مع مواصلة توسيع إنتاج الطاقة المتجددة.
غير أن رؤية رايشه تتجاوز الطاقة إلى أبعاد استراتيجية أوسع، فهي تدرك أن أمن الطاقة والقدرة الصناعية والإنتاج الدفاعي والنمو الاقتصادي ليست قضايا منفصلة، بل عناصر مترابطة لأي دولة قوية، وفق “ذا ناشونال إنترست”.







