انتقادات دولية لآليات إعداد الميزانية في ليبيا
كشف “مسح الميزانية المفتوحة 2025” أداءً ضعيفًا لدولة ليبيا والأجهزة الرقابية فيما يتعلق بالشفافية في إعداد الموازنة العامة واستبعاد المواطنين من العملية، وهو ما ينعكس سلباً على كفاءة إدارة الموارد العامة وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. ففي ظل الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تشهده البلاد منذ سنوات، أصبحت الموازنة أداة تُدار في دوائر ضيقة، بعيداً عن الرقابة الفعالة والنقاش العام المفتوح.
ونشرت الشراكة الدولية للميزانية نتائج المسح الذي استهدف دول شمال أفريقيا، حيث حصلت ليبيا المقسمة بين حكومتين على درجات أقل بكثير في كل محاور الاستطلاع.
ومن أبرز مظاهر ضعف الشفافية غياب نشر تفاصيل الموازنة بشكل واضح ومفصل، حيث غالباً ما يتم الإعلان عن أرقام إجمالية دون توضيح كافٍ لبنود الإنفاق أو أولويات الصرف. كما أن تأخر إقرار الموازنة أو اللجوء إلى الصرف وفق ترتيبات استثنائية يفتح الباب أمام غموض أكبر في كيفية توزيع الأموال العامة، ويحدّ من قدرة الجهات الرقابية على تتبع أوجه الإنفاق.
ويقيس جزء من المسح مدى وصول الجمهور إلى المعلومات المتعلقة بكيفية قيام الحكومة بجمع وإنفاق الموارد العامة، ويُقيّم مدى توافر ثماني وثائق ميزانية رئيسية عبر الإنترنت وحداثتها، وشموليتها باستخدام 109 مؤشرات متساوية الأهمية، كما يُقيّم كل دولة على مقياس من صفر إلى 100.
وتشير درجة الشفافية 61 أو أعلى إلى أن الدولة تنشر كمية كافية من معلومات الميزانية، وأن هذه المعلومات تُغطي البيانات المالية الأساسية بشكل فعّال، مما يُمكّن الجمهور من فهم قرارات الميزانية الحكومية ودعم النقاش العام، وحصلت ليبيا على درجتين فقط في الشفافية.
ويُستبعد المواطنون بشكل شبه كامل من عملية إعداد الموازنة، إذ لا تتوفر آليات حقيقية لإشراك المجتمع المدني أو الخبراء أو حتى ممثلي المناطق المختلفة في مناقشة التوجهات المالية للدولة. وهذا الإقصاء يضعف الإحساس بالملكية الجماعية للقرار المالي، ويجعل السياسات المالية أقل استجابة للاحتياجات الفعلية للسكان، خاصة في مجالات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
ويقيّم مؤشر المشاركة العامة في المسج مدى توفير الحكومات لفرص رسمية وفعّالة للمشاركة العامة في مختلف مراحل عملية إعداد الميزانية، ويدرس ممارسات المشاركة التي تتبعها السلطة التنفيذية للحكومة المركزية (بما في ذلك الوزارات المعنية)، والسلطة التشريعية، وهيئة الرقابة المالية العليا.
ويركز أيضا على ما إذا كانت آليات المشاركة مناسبة وفي الوقت المناسب وشاملة وشفافة ومتجاوبة، بما يتماشى مع مبادئ المبادرة العالمية للشفافية المالية “غيفت” الخاصة بالمشاركة العامة في السياسات المالية، وقد حصلت ليبيا على أربع درجات فقط، بينما كان الوضع أفضل قليلا في مجال الرقابة، المرتبطة بالضغط السياسي على المؤسسات وقدرتها المحدودة على أداء وظائف الرصد، حيث حصدت 22 درجة من أصل 100 درجة.
ولفت الاستطلاع إلى إنشاء وزارة المالية الليبية منصات إلكترونية واستشارات رقمية خلال تنفيذ الميزانية، لكنه طالب بتعزيز مشاركة الجمهور في عملية إعداد الميزانية بتوسيع نطاق الآليات خلال تنفيذ الميزانية بهدف إشراك أي منظمة مجتمع مدني أو فرد من الجمهور يرغب في المشاركة.
وأوصى بالتواصل الفعال مع المجتمعات المهمشة، مباشرة أو من خلال منظمات المجتمع المدني التي تمثلها، كما دعا الاستطلاع مجلس النواب إلى “إعطاء الأولوية لإجراءات السماح للجمهور أو منظمات المجتمع المدني بالإدلاء بشهاداتهم خلال جلسات الاستماع الخاصة بمقترح الميزانية قبل الموافقة عليه”.
وحث المسح ديوان المحاسبة على إعطاء الأولوية لإنشاء آليات رسمية لتمكين الجمهور من المساعدة في تطوير برنامج التدقيق والمساهمة في التحقيقات ذات الصلة.
وفي 11 أبريل/نيسان الجاري، أعلن محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، التوصل إلى اتفاق الإنفاق العام الموحد بين شرق البلاد وغربها، وذلك في مراسم توقيع بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
ورحبت بالاتفاق عشر دول عربية وإسلامية وغربية، هي تركيا ومصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وقطر والسعودية والإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة.
وأدخل غياب ميزانية موحدة في ليبيا الدولة في حالة فوضى الإنفاق الموازي المزدوج الذي تعتمد عليه الحكومتين، ما أثار أزمة اقتصادية تفاقمت بسبب مشاريع التنمية الضخمة في غرب البلاد وشرقها.
لكن في نفس الوقت لا يمكن تحقيق الاستقرار الاقتصادي في البلاد دون موازنة شفافة وعادلة تعكس أولويات المواطنين، وتخضع للمساءلة الحقيقية، بعيداً عن التجاذبات السياسية والقرارات المغلقة.







