سياسة

اليمن بعد 11 عاما من الحرب.. توثيق الانتهاكات ضد المدنيين


لم تعد الحرب في اليمن تقتل فقط من يحمل السلاح أو يقف على خطوط التماس، بل امتدت لتطارد أولئك الذين حاولوا إبقاء الحياة ممكنة وسط الخراب.

فعلى مدى 11 عاما، تحول عمال الإغاثة والتنمية وموظفو المنظمات الدولية إلى أهداف مفتوحة في بلد تتآكل فيه المسافات الفاصلة بين العمل الإنساني والصراع السياسي والأمني، حتى باتت المساعدات نفسها جزءا من معركة النفوذ والسيطرة.

عصر 3 مايو/أيار الجاري، اختطف مجهولون مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد من عدن قبل تصفيته في جريمة لاقت تنديدا دوليا وأمميا واسعا.

ومثلت حادثة اغتيال وسام قائد الذي كان يدير أكبر محفظة تمويلية للمانحين باليمن، واحدة من عشرات الحوادث التي استهدفت عاملي الإغاثة والتنمية في الوكالات المحلية والدولية النشطة في هذا البلد ووقف خلفها الحوثيون وتنظيمات إرهابية وأطراف عدة.

وفي هذا التقرير الذي يعد الأول من نوعه، أكثر من 124 حادثة معلنا عنها، وطالت عاملي الإغاثة وموظفي المنظمات الدولية والأممية خلال الفترة الممتدة من 2015 وحتى 2025.

وأسفرت هذه الحوادث، على مدى 11 عاما على خط النار، عن سقوط أكثر من 245 ضحية من عاملي الإغاثة والتنمية، إذ تبين أن عدن وتعز كانتا بؤرة العنف الجسدي في البدايات، قبل أن تصبح صنعاء مركز رئيسيا للانتهاكات القمعية في السنوات الأخيرة.

وتحولت المسؤولية من “جهات مجهولة” في المناطق المحررة إلى جهاز الأمن والمخابرات للحوثيين كجهة مسؤولة عن غالبية الانتهاكات، لكونه صاحب الكلمة الأخيرة في جميع أمور قطاع المساعدات باليمن.

سجل الانتهاكات

تشير بيانات الحوادث إلى أن العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية تعرضوا لعمليات احتجاز واختطاف واسع النطاق، نفذت أغلبها مخابرات الحوثي عبر مداهمة المكاتب والمنازل أو التوقيف عند حواجز التفتيش، بالإضافة إلى الاعتقالات، بدوافع التجسس، مما يعكس بيئة العمل الخطيرة التي تواجه الفرق الإنسانية.

ووفقا للبيانات الإحصائية فإن 128 ضحية تعرضوا للاحتجاز والاختطاف، وهو النمط الأكثر شيوعاً، وشهد قفزة هائلة في عامي 2024 و2025 إثر حملات الاقتحامات الحوثية والاعتقالات المنهجية بتهم التجسس في صنعاء، كما يشمل ذلك حالات وفيات تحت التعذيب داخل معتقلات الانقلابيين.

أما من تم اختطافهم من سياراتهم أو في أثناء تنقلهم بين المحافظات من قبل مليشيات الحوثي أو تنظيم القاعدة فبلغ عددهم 34 عاملا إغاثيا وتنمويا.

كما تعرض 29 عاملا إغاثيا لإصابات في قصف استهدف قوافل إغاثية أو منازل العاملين وكذا وضع الحوثي مخازن أسلحة قرب مرافق صحية واتخاذهم دروعا بشرية في بعض الحالات، وفقا لما تم توثيقه.

وسجلت البيانات تعرض 26 عاملا إغاثيا وتنمويا للقنص وإطلاق النار شمل ذلك الاستهداف المباشر بالرصاص في أثناء أداء المهام الميدانية، أو الوقوع في وسط اشتباكات مسلحة وكمائن على الطرقات.

كما تم توثيق 18 إصابة لعاملين إثر انفجارات الألغام الحوثية في مركبات الإغاثة، والقذائف العشوائية على الأسواق، وهجوم مطار عدن آخر عام 2020.

وحلت في المرتبة الأخيرة حوادث الاعتداء الجسدي، التي طالت 10 حالات، وشمل ذلك الضرب أو الطعن من قبل مسلحين في مواقع توزيع المساعدات.

تسلسل زمني

وتظهر البيانات الإحصائية تحولاً من الإصابات الميدانية (قصف وإطلاق نار) في السنوات (2015-2019) إلى الانتهاكات الحوثية القمعية (الاحتجاز والاعتقال) التي سيطرت على المشهد في عامي 2024 و2025.

وإليكم التسلسل الزمني:

– 2015: (17) ضحية

– 2016: (13) ضحية

– 2017: (17) ضحية

– 2018: (8) ضحايا

– 2019: (20) ضحية

– 2020: (13) ضحية

– 2021: (9) ضحايا

– 2022: (11) ضحية

– 2023: (9) ضحايا

– 2024: (27) ضحية

– 2025:(101) ضحية

ووفقا لهذه البيانات، فإن الغالبية العظمى من ضحايا الاعتقالات والقتل الميداني هم من العاملين المحليين، في حين تركزت حالات الاختطاف بشكل ملحوظ على الموظفين الدوليين للمقايضة السياسية.

صنعاء تتصدر

وكشفت البيانات الموثقة عن أن صنعاء كانت مسرحا لـ42 حادثة وتسببت بسقوط نحو 98 ضحية، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى حملات الاعتقالات الواسعة التي نفذتها مليشيات الحوثي في عامي 2024 و2025، حيث شملت بعض الحوادث اعتقال أكثر من 20 موظفاً في عملية واحدة.

وحلت الحديدة في المرتبة الثانية بمعدل 13 حادثة وخلفت 25 ضحية، فيما وقعت في تعز 15 حادثة وأسفرت عن سقوط 21 عاملا إغاثيا، وقرابة 7 حوادث سجلت في عدن (المرتبة الرابعة) وأدت إلى سقوط 14 عاملا إغاثيا وتنمويا.

وحلتا صعدة ولحج في المرتبة الخامسة بمعدل 18 حادثة و28 ضحية بالمناصفة لكل منهما، كما تم تسجيل 6 حوادث و13 ضحية في حجة التي حلت سادسا وسابعا في إب (3 حوادث و9 ضحايا) وحلت عمران ثامنا بنسبة 6 حوادث و9 ضحايا.

وفي المرتبة التاسعة حلت مأرب بمعدل 6 حوادث و7 ضحايا ثم عاشرا الضالع 4 حوادث خلفت 6 ضحايا، أما أبين فحلت في المرتبة الحادي عشرا وسجل فيها حادثة واحدة و5 ضحايا وبالمثل حضرموت حادثة واحدة وضحيتان.

وتأتي في المرتبة الأخيرة: الجوف وذمار، حيث سُجلت حادثة واحدة وضحية واحدة لكل منهما، فيما لم يتم ربط 6 ضحايا آخرين بمحافظة معينة في التحليل المكاني بسبب تسجيل بياناتهم ضمن فئة “مجهول”.

ووفقا لهذه الإحصاء فإن مناطق النزاع النشطة مثل تعز، الحديدة، وصعدة، كانت مسرحا لانتهاكات القصف والاغتيالات، فيما برز نمط الاختطاف في محافظات لحج، وأبين، وحضرموت إثر الهشاشة الأمنية.

من المسؤول؟

تظهر البيانات الإحصائية أن عدد الحوادث المرتكبة بلغت 124 واقعة كانت مليشيات الحوثي الجهة المسؤولة عن 57 حادثة من إجمالي الحوادث المسجلة منها 14 حادثة عام 2024, و32 حادثة عام 2025.

في مناطق حكومة اليمن، ارتكب مجهولون ومسلحون غير معروفين 54 حادثة، تركز معظمها في السنوات الأولى (2015-2023) وشملت عمليات إطلاق نار عشوائي، وقنص، واختطاف للمقايضة، والاعتداءات والاغتيالات، وقد اتهمت الشرعية الحوثيين بالوقوف خلفها بهدف تشويه البيئة الحاضنة للمنظمات الدولية.

كما كان تنظيم القاعدة مسؤولا عن حادثة واحدة تمثلت في اختطاف 5 من موظفي الأمم المتحدة في محافظة أبين عام 2022، فيما نسبت 12 واقعة لأطراف عدة محلية وإقليمية.

أبرز الضحايا

وسام قائد

يعد وسام قائد الذي تم اغتياله في 3 مايو/أيار 2026 بعد تلقيه تهديدات حوثية من صنعاء من أبرز الوجوه التي لا تنسى في العمل التنموي والإغاثي، وقد ألقت حادثة اغتياله بظلالها وتبعاتها الواسعة على المنح والدعم والتمويلات الدولية المقدمة لليمن.

وبحسب البنك الدولي فإن وسام قائد كان أحد رواد التنمية الشاملة في اليمن ممن عملوا بشغف كبير خلال الـ16 عاماً الماضية. وفي عام 2005 أسس وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر(SMEPS) والتي تعد اليوم وكالة تنمية رائدة تخدم عشرات الآلاف من الشركات الصغيرة والمتوسطة في جميع أنحاء اليمن.

أحمد باعلوي

في 10 فبراير/شباط 2025، لفظ أحمد عبدالخالق باعلوي أنفاسه داخل أحد معتقلات مليشيات الحوثي بعد أسابيع من اعتقاله تعسفيا وتعذيبه حتى الموت.

ووفق برنامج الأغذية العالمي الذي يعد باعلوي أحد موظفيه فقد عمل منذ عام 2017 بإخلاص في سبيل إنقاذ الجوعى وإغاثة المحتاجين وقد خلف وراءه زوجته وطفلين بلا عائل.

مؤيد حميدي

وفي 21 يوليو/تموز 2023 اغتال مسلح ملثم مدير برنامج الغذاء العالمي في تعز، امؤيد حميدي أردني الجنسية وذلك في أثناء خروجه من أحد مطاعم مدينة التربة جنوبي المحافظة، في جريمة لاقت تنديدا عربيا ودوليا وأمميا واسعا.

وبحسب مصادر أمنية وإعلامية، فإن من نفذ اغتيال حميدي خلية اغتيالات بقيادة عنصر سابق في القاعدة يدعى “زكريا الشرجبي” الذي قُتل في أثناء ملاحقته من قبل الأجهزة الأمنية وقد عكست الحادثة التحالف الوثيق بين مليشيات الحوثي والتنظيم الإرهابي.

وكان حميدي قد عمل لدى برنامج الغذاء العالمي لمدة 18 عاماً، بما في ذلك في وظيفة سابقة باليمن واستهدف اغتياله تصوير اليمن كبيئة غير آمنة لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى