القاعدة المخفية في أوينات الشرقية: كيف أصبح التدخل المصري بالطائرات المسيرة وقوداً لحرب الوكالة في السودان
كشف تقرير نيويورك تايمز الذي عن قاعدة جوية سرية في قلب الصحراء المصرية الغربية. لم تكن مجرد صور فضائية عادية؛ كانت دليلاً دامغاً على تحول نوعي في الصراع السوداني. القاعدة في أوينات الشرقية – تلك المزرعة الزراعية الضخمة التي تحولت فجأة إلى مركز عمليات عسكري – أصبحت منصة انطلاق لطائرات مسيرة تركية الصنع من طراز أكينجي، تستهدف قوات الدعم السريع داخل الأراضي السودانية. كصحفية تابعت الشأن السوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أدركت على الفور أن هذا ليس مجرد دعم لوجستي عابر، بل تدخل مباشر يحول الحرب إلى نموذج حديث لحروب الوكالة، حيث تُدار المعارك عن بعد بتكنولوجيا متقدمة على حساب ملايين المدنيين.
الأزمة الإنسانية في السودان لم تعد تُوصف إلا بالكارثة العالمية. وفقاً لتقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في مارس 2026، يواجه أكثر من 24.6 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع إعلان مجاعة رسمية في الفاشر شمال دارفور وكادقلي جنوب كردفان. أكثر من 11.5 مليون نازح داخلياً، وانهيار شبه كامل للنظام الصحي، حيث تجاوزت حالات الكوليرا 113 ألفاً في الأشهر الأخيرة. لكن ما يفاقم هذا كله هو التصعيد الجوي بالطائرات المسيرة. في الأسابيع الأولى من مارس وحدها، سُجلت أكثر من 198 غارة بطائرات بدون طيار، أودت بحياة أكثر من 500 مدني، بينهم عشرات الأطفال في هجمات على مستشفيات ومخيمات نزوح. وكما كشفت التقارير، جزء كبير من هذه الغارات ينطلق من الأراضي المصرية.
الدور المصري هنا ليس جديداً في الدعم السياسي؛ فالقاهرة كانت من أشد الداعمين للجيش السوداني منذ البداية، لأسباب أمنية تتعلق بحدودها الجنوبية ومخاوفها من انتشار المليشيات. لكن التحول إلى التشغيل العملياتي للطائرات المسيرة في أوينات الشرقية – على بعد 60 كيلومتراً فقط من الحدود – يمثل قفزة نوعية. الصور الفضائية التي نشرتها نيويورك تايمز ورويترز تظهر طائرات أكينجي المتقدمة، القادرة على الطيران لـ24 ساعة وتحمل أسلحة دقيقة، محملة في حظائر مخفية وسط حقول القمح. مصادر أمريكية وأوروبية أكدت أن هذه الطائرات تُستخدم لضرب قوافل الإمدادات التابعة للدعم السريع القادمة من ليبيا وتشاد، مما يمنح الجيش السوداني ميزة تكتيكية واضحة. القاهرة تنفي رسمياً أي تورط مباشر في الغارات، لكن التقارير تشير إلى أن الطواقم قد تكون مشتركة أو مصرية جزئياً، في إطار صفقة تركية بقيمة 120 مليون دولار تمت في 2023 وتعززت في 2025.
هذا التدخل ليس معزولاً؛ إنه جزء من لعبة إقليمية أكبر. مقابل الدعم المصري-التركي-الإيراني للجيش والدور المصري يأتي من قاعدة أرضية مشتركة الحدود، مما يجعله أكثر تأثيراً مباشراً. في ديسمبر 2025، بعد سقوط مناطق استراتيجية في دارفور، اعتبرت القاهرة تقدم الدعم السريع “خطراً وجودياً”، فزادت من عملياتها. النتيجة؟ إطالة أمد القتال، وتعطيل القوافل الإنسانية، وموت مدنيين في غارات “دقيقة” تحولت إلى عشوائية في المناطق المأهولة. كصحفية زرت مخيمات النزوح في تشاد وجنوب السودان، سمعت شهادات مباشرة من ناجين يصفون “همهمة السماء” قبل الانفجار، وكيف أصبحت الطائرات المصرية رمزاً للخوف اليومي.
التوثيق لهذه الحقيقة ليس رفاهية؛ إنه واجب أخلاقي. يجب على المجتمع الدولي، من خلال مجلس الأمن، أن يفرض عقوبات فورية على توريد التكنولوجيا العسكرية ومراقبة جوية دولية للحدود. حماية المدنيين تتطلب ممرات إنسانية آمنة وتحقيقات مستقلة في الجرائم. أما الحل السياسي الشامل، فيبدأ بوقف إطلاق نار تحت رعاية الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، مع ضمانات إقليمية تحول دون تكرار التدخلات. مصر، كقوة إقليمية، لديها مصلحة حقيقية في استقرار السودان، لكن الطريق الحالي يؤدي إلى كارثة مشتركة. السودانيون ليسوا مجرد أدوات في معادلة أمنية مصرية؛ إنهم شعب يستحق السلام. إذا لم نكشف هذه الشبكة الآن، فإن حرب الوكالة هذه ستحرق المنطقة بأسرها







